على الرغم من حداثة الرواية في الثقافة العربية، فإنها استطاعت أن تكسب ود القارئ العربي تدريجيا منذ أن فجرت عينها  رواية (زينب) سنة 1914 لحسين هيكل ( 1888 ـ 1956) وهو تاريخ حديث بالكاد يتجاوز القرن من الزمن، حتى ولو ذهبنا إلى ما ذهبت إليه يمنى العيد واعتبرنا معها رواية (قلب الرجل)  التي صدرت سنة 1904 لكاتبة لبيبة هاشم  وقبلها رواية  لزينب فواز  (1846 ـ 1914 )  حسن العواقب الصادرة سنة 1899 م كأقدم نص روائي عربي [1]  فإن شلال هذا الفن سرعان ما تدفق بنتاج يمكن تبويبه عبر مراحل تنوعت من الاقتباس والتعريب مع جيل مصطفى لطفي المنفلوطي  في رواياته المعربة: الفضيلة، الشاعر،في سبيل التاج ...

فمرحلة الترجمة مع رفاق طه حسين الذين درس أغلبهم في أوربا ، قبل أن تبدأ الرواية العربية في التأسيس لنفسها مع جيل يحي حقي وتصل إلى مرحلة التبلور والتأصيل مع رفاق نجيب محفوظ، وتنتهي إلى مرحلة التحديث مع عبد الرحمان منيف وحيدرحيدر  وحنا مينه ... لكن مع ما عرفه العالم العربي خلال نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة من غزو العراق ونشوب حرب الخليج  الثانية  جعل الرواية العربية تدخل مرحلة مختلفة سنصطلح عليها بالرواية العربية المعاصرة.. نحن الذين اعتدنا اعتماد الأزمات مؤشرات في التحقيب والتأريخ لأدبنا العربي سواء القديم منه  (نهاية العصر الإسلامي بمقتل علي، نهاية العصر الأموي بدحر الأمويين في موقعة الزاب وفخ، انتهاء العصر العباسي  بسقوط بغداد..) أو الحديث   : الاستعمار/ النكبة/ النكسة/ حرب الخليج الأولى والثانية ...

ونحب منذ البداية توجيه قرائنا أننا  اخترنا وصف ا (المعاصِرة = contemporaine) بدلا من أي وصف آخر للرواية موضوع بحثنا كالرواية الجديدة  (nouveau )، الحديثة أو الحداثية (moderne)  حتى نبتعد عن إصدار الأحكام من جهة، ولقناعتنا بكون مصطلحا كالحديثة أو الجديدة.. مصطلحا مشحونة بالمواقف وأحكام القيمة الهادفة لقطع الصلة بكل ما هو موروث، والحكم عليه بالسلبية مقابل الانتصار اللاـ مشروط لكل ما هو جديد، مما يضعنا أما ثنائية ضدية أحد أطرافه مقبول منشود ، والآخر مرفوض منبوذ، فيما يظل مفهوم المعاصرة مفهوما محايدا مرتبطا بالزمن ليس غير، قادر على أن يدخل في جبته  كل من كتب في هذا العقد  والنصف معاصراـ فيما سيحتم علينا مفهوم الحداثة إقصاء روائيين عالجوا قضايا تقليدية، أو تبنوا الأسلوب التقليدي الكلاسيكي في الكتابة الروائية ، ونحن المقتنعون أن الرواية المعاصرة لم تشكل قطيعة مع ما سبقها، ولا اتخذت مواقف سالبة من التراث العربي أو الإنساني بدليل وجود روائيين انبنت أعمالهم على فكرة الانطلاق من شيء موروث، أو مخطوط قديم ، أو تصور الأحداث وقعت في مرحلة تاريخية قديمة ... كما أن التركيز على المعاصر والذي نقصد به ما ألف في الألفية الثالثة سيسمح بالتركيز على فئة الشباب الذين لا ينالون حظهم من النقد ، دون أن يكون في ذلك أي إنكار لعمل الرواد ، إذ قد تكون رواية ألقت في الخمسينات أكثر حداثة من رواية صدرت اليوم، هذا ولقناعتنا أيضا بأن الرواية العربية  كائن حي ولد في ظروف معينة، ونشأ وترعرع  وتطور حسب حاجيات المجتمع  الذي أصبح أكثر تعقيدا، فأنجب رواية معاصرة تساير هذا التعقيد  لها بعض الخصائص التي تفردها كحظور الفردانية والدغمائية: فهيمن ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب، وسعت إلى اعتماد لغة إيحائية تصويرية بعيدة عن التقريرية والمباشرة المألوفة في رواية الخمسينات والستينات  التي التقطت أبطالها من حواف المجتمع ، وعوضت البطل الوطني الذي هيمن خلال مرحلة الاستعمار ببطل اجتماعي تمثل في  الموظف والمقهور  الذي كان يكابد الزمن من أجل تأمين لقمة العيش، قبل أن تتورط روايات سبعينيات القرن العشرين في الإيديولوجيا بأن جعلت من الروائي رجلا حزبيا متعصبا لمواقفه السياسية يصب جام غضبه على من يعتبره عدوه الطبقي أو السياسي، أو غريمه الإيديولوجي فاستضافت الرواية بطلا رئيسيا جديدا تمثل  في المناضل السياسي  التقدمي المستعد لقضاء زهرة عمره في السجون من أجل مواقفه وأفكاره...

لكن الروائي المعاصر وإن سلط منظار سرده على شخصيات بسيطة وعادية من مختلف الشرائح فإنه تحول  إلى ما يشبه  الأنتروبولوجي والباحث  في التراث الإنساني ينهل من الأساطير والرموز ووينفتح على مختلف الأشكال التعبيرية محطما الحدود بين الأجناس الأدبية،   فتميزت الرواية المعاصرة بعمق الرؤية  وإثارة الأسئلة الكبرى، أكثر من البحث عن الأجوبة، فوجد القارئ نفسه أمام روايات شعرية (خاصة بعد ولوج عدد من الشعراء ميدان الرواية)[2]، وروايات دسمة حبلى بالأفكار  والإحالات التاريخية الفكرية، الفلسفية ، الفنية .. كتابها منفتحون على السينما، التشكيل ، الفلسفة ، الأديان، الأسطورة، الحكاية الشعبية والأنتروبولوجيا، ... فقدموا للقارئ روايات أقرب ما تكون إلى  كتب فكرية اعتمد فيها كاتبوها على مراجع ومرجعيات متعددة ، وكلفتهم عناء بحث طويل ، وليس أمام روايات تخييلية يختلي فيها الكاتب مع نفسه ليخرج للقارئ برواية إبداعية مصدرها الوحيد الإلهام والذاكرة  ، وفي مقابل ذلك لا بد من التذكير بوقوفنا على عدة روايات معاصرة وجدنا أنفسنا متورطين في قراءتها واستعصى علينا أنهاها لغياب أي مؤشر يجعل منها عملا روائيا  يرقى إلى أدنى مستوى فني يسمح بجعلها مادة للنقد والدراسة...

ومع ذلك هناك عدد من الروايات التي لقيت نجاحا ، ونالت حظوة القارئ العادي والناقد المتمرس، واستطاعت ـ وإن لم تناقش قضايا كبرى ـ أن تحول الصراع من الواقع العام إلى صراع داخل الذات ، جاعلة من الذات فضاء لمرايا متقابلة يتناسل فيها الدمار والعنف فشكل تيمات دمار القيم، دمار الذات، دمار الحياة تيمات أساسية في معظم الروايات  فقدمت  أبطالا غير أسوياء ، وكأن الرواية المعاصرة تركت العام العادي ومحورت متونها حول بعض الحالات الخاصة في المجتمع، وحتى إن عالجت قضية عامة (كقضية البدون في الخليج مثلا ) جعلت منها قضية مرتبة بالشخصية الروائية وليست قضية رأي عام  هكذا وجدنا منها ما يركز على  الأقليات الدينية كاليهودية كما في رواية (في قلبي أنثى عبرية لخولة حمدي)  من تونس أو المسحية مثلما  في رواية (طشاري ) للعراقية أنعام كشاجي وعدد من الرويات المصرية التي عالجت مشاكل الأقباط.. ومنها من جعل من الشذوذ الجنسي همها الوسواسي إذ وجدنا عددا كبيرا من الروايات المعاصرة تلامس بدرجات مختلفة موضوع الشذوذ في المجتمع العربي في مشارق العالم العربي ومغاربه من الكتاب الكبار كما فعل علاء الأسواني في (عمارة يعقوبيان ) أو من الشباب كرواية (العفاريت ) لأبراهيم الحجري من المغرب حيث البطل يفضل ممارسة الجنس مع دابته الشهباء على ممارسه مع أي امرأة، دون أن تتخلف النساء عن خوض معالجة موضوع الشذوذ في مختلف الأقطار العربية مغربا كما هو الحال في رواية (طريق الغرام) لربيعة ريحان  من المغرب  إذ البطل  الزوج يعاني الشذوذ ويحب أن يمارس عليه الجنس مما أثر في علاقته بزوجته عند اكتشافها لشذوذه، أو في الجزائر كما في (اكتشاف الشهوة)  لفضيلة الفاروق حيث يمارس الشذوذ على البطلة من طرف زوجها السكير منذ ليلة الزفاف إلى أن طلقت منه  حتى أيام رمضان دون أدنى احترام لمشاعرها وطقوسها الإسلامية ، وكذلك وجدنا في اليمن رواية (زوج حذاء لعائشة) للرواية نبيلة الزبير إذ الزوج (رجل الدين) يغتصب ويمارس الشذوذ على زوجاته الأربع حتى وهن  خاشعات في صلاتهن [3]

والأكيد أن من يواكب جديد الرواية العربية يلاحظ مدى التركيز على الأبطال الذين يعانون القلق، الخوف، الازدواجية في الشخصية  ومختلف الأمراض النفسية  ليتراجع حضور الرواية السياسية ورواية القضايا الوطنية ، بل إغراق الروية العربية المعاصرة في التركيز على الذات بتقديم نماذج تمثل المفرد المنغلق الباحث عن الهدوء وراحته ( وراء الفردوس لمنصورة عزد الدين نموذجا )  فهمشت الرواية المعاصرة لقضايا القومية وحتى القضية الفلسطينية التي ظلت تشكل محورا هاما في الرواية العربية بعد النكبة والنكسة كما كان في أعمال غسان كنفاني وإميل حبيبي  وغيرهما ، بل أكثر من ذلك هـُمِّشت القضايا الوطنية القطرية و القومية والإنسانية الكبرى  لحساب القضايا الذاتية فكان لكل شخصية روائية قضيتها الذاتية تبحث لها عن مخرج  في واقع متشرذم فاسد يعمه الدمار والعنف حتى لكأنَّ روايتنا أضحت حسب تعبير جورج لوكاتش (تاريخ بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم منحط) ، لذلك تميزت  أفعال معظم أبطال الرواية العربية المعاصرة بطابع (التشيطن )[4] فتنوع الأبطال بين المحتال، المتملق ، المجنون  ،المجرم الوصولي والأناني المتطرف في كل شيء (في شرب الخمر، في الجنس ، في تعاطي الدعارة...) وغيرها من الشخصيات التي لا تعير اهتماما للقيم في مجتمعات عربية تتجه نحو الفردانية والامتثال لقوانين اللبيرالية المتوحشة بشكل يستحيل معه أن نفصل بين ما ينسجه خيال روائيينا وما يدور تحت أقدامنا على الأرض العربية . ودون القول بالانعكاس الآلي الميكانيكي بين العالمين ، ولكن على الأقل عكس إحساس المبدعين بالعجز أمام التحديات الكبرى التي فرضت نفسها  على واقعنا المعاصر، حتى وإن لم تكن بشكل واقعي صرف  فعلى الأقل في إطار ما سماه لوكاتش (الواقعية الكاذبة للرواية)[5]

وإن رأى البعض في كل ذلك عينا سوداوية ينظر بها كتاب الرواية إلى الواقع العربي ، فنحن نرى أن ذلك تعبيرا عن تعدد المرجعيات ، ونوع زوايا النظر للواقع مما جعل من الرواية أطارا لكل المتناقضات قادرا على تمثيل مختلف الحساسيات والمرجعيات الثقافية وإعادة تشكيلها في قالب فني ولعل ذلك ما عجزت عنه عدة فنون أخرى...

وبالقدر الذي يغرق في العالم العربي في التشرذم والاقتتال تعرف الرواية العربية انتعاشا غير مسبوق في الكم والنوع ، انتعاشا تساهم فيه  كل الأقطار العربية   بظهور مراكز ثقافية جديدة كانت مساهمتها إلى عهد قريب في الإبداع الروائي ضعيفة،  فقدمت أقلاما شابة من المشرق والمغرب، ولم تبق ريادة الإبداع الروائي حكرا على المراكز الثقافية التقليدية (مصر والشام ) وإنما انخرطت فيها وبقوة كل الأقطار  والأمصار العربية (الخليج، المغرب العربي، العراق واليمن ..) كما لم تبق الكتابة الروائية حكرا على الرجال و اقتحمت غمارها أقلام نسائية تفوقت في أحيان على الذكور.... وقد حتم  هذا الزخم على الأدب العربي النزول من على صهوة جواد الشعر وركوبه ظهر الرواية التي غدت قاطرة الكتابة الإبداعية لدى العرب بامتياز، بعدما تمكن الروائيون الجدد من تطوير فن الممارسة الإبداعية شكلا تعبيريا وجعلوها أكثر أشكال التعبير قدرة على تصوير  تشظي الذات والمجتمع العربيين في هذه الفترة، والنوعَ الأدبي النموذجي الأنسب للمرحلة ، المــُولِّد والحاضن لأشكال أخرى، فرضت نفسها بقوة، خاصة (المسلسلات التلفزيونية، السينما، المسرح..) التي تتخذ من النص الروائي منطلقها ... فكانت الرواية بذلك أقدر الأجناس الأدبية على التقاط  تفاصيل وذبذبات العصر في وقت كادت بعض الأجناس أخرى تقف عاجزة عن مسايرة سرعة وإيقاع التفاعلات المتلاحقة.. إذ تربع الرسم  على عرشه العاجي بعيدا عن الواقع  بانيا جدارا سميكا بينه وبين فئات واسعة من العرب التي تعتبره فنا نخبويا لا يلامس واقعها فلم يتمكن من كسب ود الجماهير، كما بقيت الأغنية تفرّق كـؤوس الهوى،الحب والغرام  على جمهور أشد ما يفتقر إليه هو الحب .. وفضل الشعر أخذ قيلولة - نتمناها مرحلية- أبعدته عن اهتمامات الإنسان العربي المعاصر ، جعلت من الشعر ـ رغم كثرة الدواوين الصادرة ـ صيحة في واد غير ذي زرع ، الشعراء فيه يرددون (لا حياة فيه لمن ينادي...)

مقابل كل ذلك  حملت الرواية على عاتقها اقتحام عبابَ يمٍ متلاطمة أمواجه عصي على الفهم: واقع يقوم على صراع  نوعي وكمي مختلف عن  كل تجليات الصراع المعهودة  التي نظر لها الفلاسفة والمفكرين كصراع الأجيال والصراع الطبقي وصراع الأديان والحضارات... إذ وجد العربي نفسه في لج مرايا متقابلة وصراع  وقف أمامه مشدوها لا يعرف فيه الصديق من العدو،  ولا يعرف من يصارع من؟ وكل ما يراه أشلاء الموتى في كل زاوية دون أن يدرك من يقتل من؟ ولأية أهداف يتقاتل العرب؟ ولماذا غدت بلاد العرب والمسلمين على كف عفريت وبؤرة صراع في وقت تنعم باقي بلدان المعمور بالسلم والطمأنينة؟ لكن مقابلها تصوير الواقع فهل تؤثر الرواية العربية في واقعها ؟؟ هذا سؤال من الصعب الإجابة عنه أما ضعف نسب قراءة الرواية  والقراءة بمعناها العام في أوطاننا العربية !!

هكذا وجد الروائي العربي المعاصر نفسه يجمع بين الفنان،المصلح ومؤرخ الحياة الخاصة والعامة الميال إلى التقاط أقصى قدر من تفاعلات المجتمع العربي مقتنعا أن لا مناص لأداء مهمته من تصوير تفاصيل تناقضات شخصياته، وإماطة اللثام عن الجروح الغائرة في الجسد العربي ، فحق لنا  القول إن الرواية غدت النوع الأدبي الأكثر نموذجية لواقعنا العربي وأنها (شريحة من الحياة) ، وهذا ما يفسر  ذلك النجاح الذي حققته بعض الأعمال التي طبعت عشرات المرات في وقت وجيز (عزازيل ليوسف زيدان طبعت أزيد من 20 طبعة، ساق البامبو لسعد السعنوسي  طبعت أزيد  من 12 طبعة في سنة واحدة) وقس على ذلك عددا من الأعمال الناجحة ...

يتضح لك عزيزي القارئ أن الرواية العربية المعاصرة إذن أصبحت  نوعا من الكتابة تميز بخصائص يتحتم علينا الاقتراب منها لقناعتنا حسب تعبير بيرسي لبوك أن (هناك العديد من المواد المختلفة الواضحة للعين المجربة وضوح الحجر والخشب تدخل في بناء الرواية ومن الضروري معرفة الغاية منها )[6]  مرتبط زمنيا ببداية الألفية الثالثة، وما أنتجه الساردون العرب في حوالي  العقد ونصف من مطلع  القرن الواحد والعشرين، وفنيا بخصائص في الكتابة السردية لم يكن للعرب عهد بها، وطريقة  أملتها ظروف المرحلة التي ساهمت في خلق تراكم كمي غير مسبوق ...  وهو نتاج زاخر يكاد يفوق ما أنتج في عقود من التأليف الروائي...

لكن هذا النتاج الروائي الضخم للرواية المعاصرة لم يصاحبه ما يستحق من النقد حتى يقوم بعض اعوجاجه ويساعده على تشكيل  كيانه الخاص،   ذلك أن الرواية العربية بعد نتاج الستينيات والسبعينيات مع مؤلفين كبار أمثال نجيب محفوظ ، عبد الرحمان منيف ، يوسف السباعي ..  دخلت في العقد الأخير من القرن العشرين مرحلة انتقالية ، شاخت فيها الأقلام المؤسسة، ولم تستطع الأقلام الشابة فرض قلمها بعد، فعاشت الرواية ما يشبه مرحلة اجتفاف ومرت من سنوات شبه عجاف، كاد ينضب فيها معين السرد العربي... لكن ما أن هلت الألفية الجديدة، وما صاحبها  من أزمات توالت على العالم العربي بعد حرب الخليج الثانية واجتياح الكويت ، وسقوط بغداد  وتفجير الربيع العربي وغير ذلك من الأحداث التي زلزلت الأرض تحت أقدام المبدعين، فأوقدت الإبداع الروائي من سباته مكرسا مقولة ازدهار الإبداع الأدبي في مراحل الصراع والأزمات السياسية؛ ولنا في العصر الجاهلي - حيث صراع القبائل- والعصرين الأموي والعباسي – حيث الفتوحات والصراع مع الفرس والروم- وعصر الطوائف في الأندلس .. حتى تدفق نبع الرواية المعاصرة .  لنؤكد أن الرواية عرفت بعد حرب الخليج الثانية وما عقبها من صراعات  إنتاجا كميا ونوعيا بتأليف عشرات الروايات في مشارق الوطن العربي ومغاربه، نعلن منذ البداية صعوبة مواكبتها كلها مكتفين بالوقوف على بعض ما سمحت لنا الظروف بقراءته ومعالجته في هذا الجزء.. ومقابل هذا السخاء في الإبداع يلاحظ تراجع النقاد للظل، فقل التنظير الروائي مقارنة مع مرحلة السبعينيات، ووهنت همم النقاد في متابعة الجديد، بعدما حطمت الرواية الحدود التقليدية ، وتخلصت من جلباب الأكاديمي الذي ظل يأسرها، فخرجت الرواية المعاصرة من أسوار الجامعات والمعاهد، وبحثت لنفسها عن تربة جديدة فاستطاعت  تقديم أقلام  شابة جريئة لها رؤيتها للعالم من حولها، واستطاع التيار أن يجرف معه من لا زال قادرا على العطاء من مبدعي  جيل السبعينات ...

إن الرواية المعاصرة لم تجعل نفسها سجينة نمط واحد ، وإنما حاول بعض الروائيين المعاصرين الانفتاح والاستفادة من الأشكال التراثية  خاصة أدب الرحلة كما وجدنا في روايتي النبطي ليوسف زيدان، ورواية تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية لعبد الرحيم الحبيبي... ومنهم من هام في العجائبية ينسج أحداثا في عالم افتراضي خيالي يستحيل لعقل تصوره  كما في روايتي  ضريح أبي لطارق إمام ، وفرانكشتاين في بغداد لأحمد سعداوي،  ومنهم من غاص في التاريخ القديم أو الوسيط كما فعل يوسف زيدان في روايتيه عزازيل والنبطي، وربيع جابر في رواية دروز بلغراد، وعدد منهم التفت للتاريخ القريب: سواء زمن ما قبل الاستعمار (تغريبة العبدي) أو زمن الاستعمار وما بعده  والصراع حول السلطة والشرعية بين نخبة من السياسيين المثقفين وخلفاء الاستعمار  وجعل تيمات الوطنية ، الاعتقال والسجون (مثلما وجدنا في الساحة الشرفية لعبد القادر الشاوي  ورواية طائر أزرق نادر يحلق معي ليوسف فاضل من المغرب..) مادة للكتابة الروائية المعاصرة، دون أن يمنع ذلك كتاب الرواية الشباب من مقاربة القضايا الاجتماعية المستحدثة كالإرهاب منا في رواية (القوس والفراشة لمحمد الأشعري) ، والعنف/ التسامح  كما في روايتي :في قلبي أنثى عبرية لخولة حمدي من تونس ، ورواية..والاستعمار الجديد  والتطرف الديني حرمة لعلي المقري و رواية زوج حذاء لعائشة الزبير  ، الطائفية في الوطن العربي  رواية أوهام  لنازك سبا يارد...، ، توسع المدن/ استغلال النفوذ والصراع حول السلطة...  ناهيك عن  القضايا التقليدية كالجنس وضعية المرأة في الوطن العربي التي  شغلت حيزا هاما في الرواية المعاصرة لدرجة لا تكاد تخلو رواية من إشارات جنسية تصريحا لأو تلميحا بل منها ما جعل من الجنس  ـ كاتبا كان  أو كاتبة ـ بؤرة روايته/ها الأساسية...

أما من حيث الشكل فقد اتجهت عدة روايات إلى تكسير قواعد الكتابة الروائية الكلاسيكية؛ بالتخلي عن السرد الخطي التصاعدي المتسلسل ، واللجوء إلى تكسير المسرود واعتماد نظام الفوضى في تقديم أحداث عمله لدرجة قد يشعر قارئ بعض الأعمال غياب ذلك الخيط الرابط بين التفاصيلها. نتيجة الإسراف في التكرار والتركيز على تفاصيل ،قد تبدو لمن اعتاد قراءة الأعمال الكلاسيكية  ، غير ذات جدوى، عندما يغرق الأبطال في سرد معاناتهم الشخصية في ظل الواقع العربي المأزوم الذي يستحيل على مخيال الروائي تقديم حلول له لذلك حاول بعض الروائيين الهروب من (الآن)  إلى الماضي فحكت عدة روايات أحداثها في الماضي  والهروب من ال (هنا) بأن هربت بالأبطال إلى خارج الحدود العربية فهربت فوزية شويش السالم في (سلالم النهار) بطلتها إلى مكان معزول على قمة جبال ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، وطاف كل علي المقري ، وفضيلة فاروق، وبثينة العيسى، وسعد السعنوسي ومحمد الشعري ... بأبطالهم عي عوالم كثيرة بعيدا عن الواقع العربي 

إن الرواية العربية المعاصرة تعرف تدفقا هادرا ، وزاد من هذا التدفق إنشاء مسابقات وطنية، جهوية وقومية شجعت المبدعين على الكتابة والتباري..  ساهمت في سطوع أسماء جديدة وإخراج الكتابة الروائية من جُبّ  ما هو أكاديمي،  لتغدو تعبيرا عن الحساسية العربية الراهنة وفي مؤلفات دسمة وضخمة من حيث الحجم تجاوز بعضها الخمسمائة صفحة ،  دون أن يقف الحجم أمام شهية القارئ العربي النهم لكل ما هو جيد ، فأزاحت الشعر من على برجه العاجي  واقتنع معظم الشعراء بدواوين في بضع صفحات، بعدما ضاعفت  الرواية المعاصرة من سرعتها مع تزايد قرائها ، وكثرة إصداراتها  إبداعا  فاستحقت لقب (ديوان العرب المعاصر) وهو تدفق لم يواكبه –للأسف- نفس التدفق في النقد الروائي تنظيرا وتحليلا، فظل عدد من الروائيين تائهين كمن يقود سفينة دون بوصلة، وفي غياب المصاحبة النقدية تجن على بعض الأعمال الجادة التي لم تجد من يوصلها للقارئ.. وتجن على بعض المواهب التي كانت في حاجة إلى تنبيهها لعيوبها لتتجنبها في أعمالها اللاحقة..

هذه بعض الملاحظات العام على عوالم لازالت في إطار التبنين والتفاعل : تفاعلها كنصوص مع مواقع غير مستقر ، وتفاعل القارئ معها مما جعل منها مادة حبة يصعب دراستها سانكرونيا أو دياكرونيا ، فلم يبق أمامنا إلا ملاحظتها في تفاعلها من وجهة نظرنا ، وقد  تكون لنا غير هذه النظرة لو لاحظناها من زاوية أخرى أو في ظروف أخرى ... يتبع

[1]  ) –  الرواية العربية ـ المتخيل وبنيته الفنية دار الفارابي ط1 بيروت  2011 ص 142

[2]  ) – أنظر مقالة حول شعرية الرواية في (القوس والفراشة ) للروائي والشاعر المغربي محمد الأشعري

[3]  - سيصدر لنا قريبا جزء ثاني عن الرواية العربية المعاصرة بنون النسوة

[4]  - ص-  عن كتاب الشكل القصصي في القصة المغربية ج 1 عبد الرحيم مودن منشورات دار الأطفال ط1 1988 -  ص -  25

[5]  - ص – الرواية كملحمة بورجوازية  ت ـ جورج طرابيشي  دار الطليعة بيروت  ط 1  1979 ص ـ 74

[6]   بنية النص السردي  من منظور النقد – لحمداني حميد  - المركز الثقافي  العربي للطباعة والنشر والتوزيع – ط1 1999 – ص  14