تمر اليوم الذكرى المئة لاتفاقات سايكس بيكو التي قسمت ارث الدولة العثمانية في المشرق العربي الى عدة دول وكيانات، تم وضعها تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني، والتمهيد لخلق دولة اليهود في فلسطين، ومن المؤلم اننا، وفي ظل الوضع الراهن الذي تعيشه المنطقة حروبا، وتفتيتا، وصراعات طائفية، واخرى عرقية، بدأنا نترحم على هذه الاتفاقات التي عارضناها بقوة، في اطار حنيننا للوحدة العربية، لان معظم المؤشرات تؤكد ان السيء الذي يسود منطقتنا، يمكن ان يتحول الى الاسوأ.

جميع الايديولوجيات التي برزت طوال المئة عام الماضية، وتجاوزت الدولة القُطرية لمصلحة الوحدة الشاملة، وضعت هذه الوحدة، وتحرير فلسطين، على قمة اولوياتها، ولكنها فشلت في تحقيق اي من الهدفين، سواء كانت قومية عروبية، او اشتراكية اممية، او اسلامية بشقيها المعتدل والجهادي.

نعرف الماضي جيدا بكل احباطاته، وخيباته، وحروبه، وانقلاباته العسكرية، والديكتاتوريات التي تحكمت بالمنطقة تحت مسميات عديدة، ابرزها الحرية، والاستقلال، والسيادة الوطنية، وعندما اردنا التخلص منها وارثها القمعي العميق، وجدنا انفسنا امام مخطط جديد، لاعادة سايكس بيكو في صوره معتدلة للاسوأ، تقوم على اساس اعادة رسم الحدود من جديد، حسب الاعتبارات الطائفية والعرقية، والقبيلة، الامر الذي قد يؤسس لدولة وكيانات ضعيفة، متصارعة فيما بينها على الارض، ما فوقها وما تحتها.
***

بعد ان تهاوت الديكتاتوريات تحت ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي”، الواحدة تلو الاخرى، حدث فراغ سياسي كبير ملأته الحروب الطائفية والاهلية، وانهارت المجتمعات، وتبخرت قيم التعايش، وذابت كل الاحلام بالديمقراطية والحكم الرشيد.

سورية تشهد حربا طاحنة، والعراق اصبح كيانات متعددة بهويات طائفية، او عرقية، ومصر في حالة انعدام وزن، وقيادتها تتخبط، والجزائر تعيش ازمة حكم وقيادة، واليمن منقسم بين مؤيد للتدخل الخارجي السعودي، او معارض له، وبين من يريد الانفصال ومن يعارضه، اما ليبيا، فباتت بثلاث رؤوس، وثلاث حكومات، وعشرات الميليشيات، والسودان انفصل عن مصر ليتحول الى دولتين، وربما الى ثلاث، او اربع في المستقبل المنظور، والمغرب مهددة بحرب انفصالية.

الاكراد الذين ظلمتهم اتفاقات سايكس بيكو، والتحالف بين مصطفى اتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، والغرب المنتصر في الحرب العالمية الاولى، ربما يخرجون الفائز الاكبر، وربما تأتي الالفية الثانية لاتفاقات سايكس بيكو لتحقيق حلمهم التاريخي في دولة مستقلة، فالغرب يريد استغلال الظرف الراهن من التفكك الذي تعيشه المنطقة، لاصلاح ما يعتبرونه خطأهم التاريخي بحقهم، ولا نستبعد ان يستخدم الغرب كأحد الادوات الرئيسية في رسم الحدود الجديدة، خاصة في سورية والعراق وتركيا.

التدخل العسكري والسياسي الاجنبي، خاصة في امريكا وحلفائها الاوروبيين لعب، ويلعب، الدور الرئيس في وصول المنطقة الى هذا الوضع الدموي المرعب، وبسوء قصد، وفي اطار خطة محكمة رسم عناوينها الرئيسية الفلاسفة اليهود حلفاء اسرائيل، ابتداء من برنارد لويس، ومرورا ببول ولفوفيتش، وريتشارد بيرل، وانتهاء ببرنارد هنري ليفي، “مفبرك” ثورة “الناتو” الليبية، مع صديقه الآخر نيكولا ساركوزي.

فشل الانتفاضات الشعبية العربية في تقديم البديل الافضل لحكم الديكتاتوريات العربية، لا يعني العودة الى هذه الديكتاتوريات التي سقطت، او الاحتفاظ بالحالية منها، وانما باستمرار الضغوط من اجل الاصلاح باشكاله كافة، ويجب ان تعرف جميع الانظمة العربية الحاكمو انها تعيش ازمة شرعية، وان عليها ان تكسب دعم وتأييد وثقة شعوبها، من خلال الاعتراف بأن ادواتها القديمة في الحكم لم تعد صالحة، ولا بديل امامها غير حكم القانون، والعدالة الاجتماعية، والحريات السياسية، فعالم تحكمه ثورة وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن السيطرة عليه بالبوليس السري، والقمع، واساليب الرقابة والحجب، والا فالانتفاضة قادمة لا ريب فيها.

انخفاض اسعار النفط سيؤدي الى انتهاء ديكتاتوريته، وانطلاق ثورة تصحيحية كبيرة في المنطقة العربية، لانه سيحرم معظم الانظمة التي استخدمته، وارصدته من اقوى اسلحتها في الترويض للطموحات التحريرية والتحديثية الوطنية العربية، وسيعيد العرب الى وعيهم وتواضعهم وقيمهم الحقيقية، لان الاعتماد على النفط سواء من قبل دولة، او دول جواره، احدث حالة من احلام اليقظة الكاذبة للجانبين، وعطل مسيرتها في التطور نحو امتلاك مشاريع القوة الحقيقية بفروعها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية.
***

في المئة عام الماضية دخلت الخزائن العربية عشرات التريليونات من الدولارات بمقاييس اليوم، كلها او معظمها، ذهبت هباء، ولم تترك اي اثر غير السمعة السيئة، والاتهامات بالغباء، والاسراف، والبذخ، والمتع الحسية.

المخطط الجديد لتعديلات سايكس بيكو الثانية يتم طرحه من خلال عناوين متعددة، مثل اللامركزية، والفيدرالية، والكونفدرالية، والدول الاثنية، والطائفية، كبديل لحالة “اللاتعايش” السائدة حاليا، ومن المؤلم ان البعض يرى فيها طرحا وجيها، ويضرب امثلة عديدة في هذا المضمار، مثل سويسرا وبلجيكا، وحتى امريكا نفسها، وينسى هذا البعض، اننا نحتاج الى قرن، او اثنين، حتى نقترب من تطور هذه الدول، لا ان نصبح مثلها.

رغم هذه الصورة القاتمة، هناك امل بالصحوة والتغيير، وتحقيق النهضة التي تطمح اليها امتنا، فهذه امة لها عقيدة قوية، وتراث مشرف، وجيل واعد من الشباب، وقد يأتي الخير من باطن الشر.. والايام بيننا.