خالد أوباعمر

تضمن المبدأ الثالث من مبادئ "كامدن" حول حرية التعبير والمساواة، في الشق المتعلق بالإطار القانوني لحماية حق المساواة، مجموعة من التوصيات التي ينبغي تضمينها في القوانين المحلية لعدد من الدول، حتى يتم صيانة هذا الحق وحمايته من كل أشكال التعسف. ومن أهم التوصيات التي أدرجت في هذا السياق كانت التوصية التالية:
"لكل إنسان الحق في عدم التعرض للتمييز على أساس الأصل أو النوع أو العرق أو الدين أو المعتقد أو الإعاقة أو العمر أو التوجه الجنسي أو اللغة أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الجنسية أو الملكية أو الميلاد أو أي وضع آخر"

أما فيما يتعلق بحماية حرية التعبير وفق مبادئ "كامدن" التي حضرتها منظمة المادة 19 استنادا إلى مناقشات قام بها مجموعة من المسؤولين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة ومسؤولين آخرين وخبراء من المجتمع المدني وأكاديميين متخصصين في قانون حقوق الإنسان الدولي حول مواضيع حرية الرأي والتعبير والمساواة، لتشجيع المزيد من التوافق في الآراء على الصعيد العالمي حول العلاقة الصحيحة ما بين احترام حرية التعبير وتعزيز المساواة، فقد وردت توصية جد مهمة جاء فيها ما يلي:
" على الدول أن تضمن أن حق حرية إبداء الرأي والتعبير، من خلال أي وسيلة اتصال بما في ذلك الحق في المعلومات، مكفول في الأحكام الدستورية المحلية أو ما يوازيها وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان" غير أن هذه التوصية تم تقييد مضمونها الإيجابي بتوصية لا تقل أهمية عنها ورد فيها " على الدول أن تضمن أن الأحكام الدستورية المحلية تحدد بوضوح نطاق القيود المسموح بها على حق حرية التعبير، على أن تحدد هذه القيود بقانون يعرفها بدقة لخدمة مصلحة مشروعة ينص عليها الدستور وأن تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية هذه المصلحة" كما أوصت مبادئ "كامدن" الدول بضرورة " إنشاء إطارا قانونيا واضحا لحماية حق الحصول على المعلومات بما في ذلك المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة وتشجيع النشر الاستباقي لها"

وفي الجانب المتعلق بمسؤوليات وسائل الإعلام فقد جاء في المبدأ التاسع من مبادئ كومدن ما يلي:
يترتب على وسائل الإعلام كافة، من باب المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، أن تلعب دورا في مكافحة التمييز، وتعزيز التفاهم ما بين الثقافات، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
1 التنبيه إلى أهمية تغطية الحدث في سياقه الصحيح بموضوعية ودقة، مع ضمان إعلام الجمهور بالممارسات التمييزية .
2 التنبيه لخطر الآراء المسبقة والتمييز ضد الأشخاص أو الجماعات المختلفة والتي تعززها وسائل الإعلام.
3 تجنب الإشارة غير الضرورية إلى العرق أو الدين أو النوع أو غيرها من الخصائص الجماعية التي تعزز التعصب.
4 تغطية الأخبار والقضايا المتعلقة بمختلف المجموعات والمجتمعات وإعطاء أعضائها فرصة للتكلم وإسماع صوتهم بطريقة تساهم في فهم قضاياهم وتعكس وجهات نظرهم.

وضع ضوابط للمرافق الإعلامية العامة تحظر نشر صور نمطية سلبية للأفراد أو الجماعات، على أن يلزمها نطاق عملها تشجيع التفاهم ما بين الثقافات وتعزيز فهم أفضل لمختلف المجموعات والقضايا التي يواجهونها. يجب أن يشمل ذلك بث برامج تصور مختلف الجماعات على أنهم أفراد متساوون في المجتمع.

ضرورة أن تعكس قواعد السلوك المهني للصحافة مبادئ المساواة، على أن تتخذ كافة التدابير الفاعلة لوضع هذه القواعد موضع التنفيذ.

ضرورة أن ترفع برامج التدريب المهني للإعلاميين الوعي حول الدور الذي يمكن لوسائل الإعلام أن تلعبه في إطار تعزيز المساواة ، وفي تفادي الصور النمطية السلبية.

أما المبدأ الثاني عشر الذي تعرض لمسألة التحريض على الكراهية فقد تضمن مجموعة من التوصيات الهامة من ضمنها أنه ينبغي على جميع الدول " أن تتبنى تشريعا يمنع أي دعوة للكراهية على أساس قومي أو عرقي أو ديني مما يشكل تحريضا على التمييز أو العداء أو العنف"

العودة إلى مبادئ " كامدن" التي اشتغلت عليها منظمة المادة 19 ووجدت طريقها إلى النشر في شهر أبريل من سنة 2009 عودة ضرورية من أجل فهم واستيعاب عدد من القيم الحقوقية التي يثار حولها الكثير من الجدل عندما تقع أحداث أو وقائع تمس بها.

الأحداث الإرهابية التي عاشتها العاصمة الفرنسية باريس يوم 7 يناير 2015 الأسود في تاريخ الجمهورية الفرنسية، فجرت نقاشا عالميا، حول حرية الرأي والتعبير، والمساواة، ونبذ العنف والتحريض على الكراهية، والتمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون. وقد اتخذ هذا النقاش أبعادا خطيرة، وصلت إلى حد المساس بقيم الوحدة والتعايش والتسامح داخل المجتمع الفرنسي بسبب تباين المرجعيات الدينية والفكرية والاديلوجية.

في ظل هذا الاحتقان الذي لعب فيه المثقفون ورجال السياسة الإعلام بكل أصنافه " المرئي، المسموع، المكتوب" دورا سلبيا لا ينسجم مع الأدوار التي ينبغي للإعلام أن يلعبها وفق ما جاء في عدد من المواثيق والمبادئ الدولية كما هو الشأن لمبادئ "كامدن" التي أشرنا لأهم توصياتها...بات مطلوبا من الجميع " دول، حكومات، أحزاب سياسية، مجتمع مدني، وسائل الإعلام" ضرورة التعاطي بشكل عقلاني وحكيم مع الوقائع الإرهابية التي كانت فرنسا مسرحا لها لتفادي السقوط في مغبة الانقسام والفتنة والعنصرية والكراهية على أساس العرق أو الدين.

ما حدث في فرنسا من أعمال إرهابية جبانة ينبغي فهمه في كل أبعاده الثقافية والسياسية والإعلامية والدينية بدل تضييق نطاقه في عنصر الدين، وكأن من نفذوا الجريمة في باريس، كائنات سقطت على فرنسا من السماء.
المجرمون، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني، هم مواطنون فرنسيون، ولدوا في فرنسا وترعرعوا فيها ودرسوا في مدارسها، ومن غير الجائز ربط أفعالهم الإرهابية بأصولهم أو دينهم.
إذا كان الأخوين "كواشي" وصديقهم كولبالي قد أجرموا في حق فرنسا وفي حق مواطنيها الآمنين، فهناك ملايين من العرب والأفارقة الذين يعتنقون الدين الإسلامي، يساهمون في بناء فرنسا من مواقعهم المختلفة. هناك المهندس، وهناك الوزير، وهناك المثقف، وهناك الإعلامي، وهناك الفلاح.

لماذا إذن يحرص البعض في فرنسا على تغييب كل هذه الأمور ويحاولون بطرق مغرضة ربط الإرهاب بالإسلام والمسلمين؟ هل تحتاج فرنسا إلى تضميد الجراح أم إلى تعميق الجرح؟ هل تحتاج إلى الوحدة أم إلى الانقسام؟ هل تحتاج إلى التعايش بين الأديان أم إلى الفتنة؟
من يتحججون بحرية الرأي والتعبير من أجل الإمعان في الإساءة إلى الإسلام والمسلمين بمبرر أن هذه الحرية لا يمكن تقييدها بأي شكل من الأشكال، عليهم أن يدركوا أن الإنسان الذي كان ذئبا لأخيه الإنسان بحسب تعبير "هوبز" لم ينتقل من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن إلا من خلال إخضاع العلاقات الإنسانية والمجتمعية لضوابط القانون وفق عقد اجتماعي يحدد الحقوق والواجبات.

مسألة حرية الرأي والتعبير، ليست حقا غير قابل للتقييد، بدليل أن المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية قد قيدت هذا الحق. فما الذي يمنع فرنسا التي جرمت معاداة السامية من وضع قانون يجرم تشويه صورة الأديان وازدراء الرموز الدينية، مسيحية كانت أم يهودية أم إسلامية.

هذا هو منطق الأشياء، وهناك عدة قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن المفوضية الأممية لحقوق الإنسان، توصي مند سنة 2006 بضرورة حماية صورة الأديان من التشويه، إضافة إلى وجود عدد من التقارير يرفعها المقررون الخاصون المعنيون بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، إلى مجلس حقوق الإنسان، تؤكد جميعها على استحالة فصل تحليل الاتجاه المتزايد نحو تشويه صورة الأديان عن السياق السياسي والإيديولوجي..

لن يكون هناك أي تقييد لحرية الرأي والتعبير في المجتمع الفرنسي إذا اعتمدت فرنسا قانونا يجرم ازدراء الرموز الدينية وتشويه صورة الأديان، لاسيما، وأن فرنسا لها قانون يجرم معاداة السامية. المجتمع الفرنسي عليه أن ينتصر للوحدة وللتماسك وللتعايش والتسامح، وإقرار قانون يجرم تشويه صورة الأديان ليس فيه أي انتصار لأي طرف على طرف آخر في فرنسا، بل العكس من ذلك، فإن إقراره سيكون فيه انتصار لقيم الجمهورية الفرنسية، التي ينبغي لقوانينها أن توازي بين الحرية والمساواة والمسؤولية.