خالد أوباعمر

كيف يمكن الجمع التوفيق بين الحرب على التطرف ومواجهة مخاطرالإرهاب "القاعدي الداعشي" وبين الحرب على الصحافة الحرة، والتنظيمات الحقوقية المناضلة والمكافحة من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لتلجيم دورهما في الدفاع عن حق المواطن المغربي في الوصول إلى المعلومة وفي احترام حقوق الإنسان والحريات العامة بشكل عام؟

بعيدا عن منطق التبخيس ونظرية المؤامرة، يبقى الجواب العقلاني على هدا التساؤل، هو المدخل الكفيل بتوضيح طبيعة الأسلوب الذي تدار به شؤون البلاد والعباد.
الحرب على الإرهاب بكل تصنيفاته، تحتاج إلى جبهة وطنية مسؤولة وواعية بحجم المخاطر والتحديات، لتمنيع المجتمع وتحصينه من الداخل حقوقيا وفكريا وتربويا وثقافيا، لأن المقاربة التي تؤسس لقمع حقوق الإنسا،ن والمس بحريات المواطنين العامة، والتضييق على أنشطة المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، سيتم استغلالها، من دون أي شك في ذلك، من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة لاستقطاب المزيد من العناصر اليائسة والمتطرفة التي تعيش بيننا.

في دولة لا زالت تعاني مشاكل اجتماعية عويصة، ولا زالت نسب الهشاشة والفقر والبؤس والأمية والجهل فيها جد مرتفعة وغير مرضية، حسب ما ينشر في التقارير الدولية المتخصصة، يصبح مطلوبا من الجهات التي تدير الشؤون العامة بهذه الدولة، الاجتهاد والمثابرة في العمل بسرعة أكبر، من أجل رفع منسوب الحريات المدنية والسياسية، وتعزيز حقوق الإنسان، و توسيع هامش المبادرة، وزرع قيم المحبة وفق مبادئ التعايش والتسامح والإخاء والوسطية والاعتدال.

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي تهجم عليها وزير الداخلية وتتعرض أنشطتها للمضايقات في عدة مدن كما تشير بياناتها إلى ذلك، منظمة حقوقية وطنية، تمارس عملها الحقوقي مثل باقي المنظمات الحقوقية الأخرى، في إطار الاحترام التام للتشريعات الوطنية والدولية المؤطرة للفعل الحقوقي. كما أن قاعدتها الجماهيرية الواسعة والمحترمة، تتشكل من مواطنين مغاربة، يمارسون نضالهم الحقوقي داخل بلدهم دون أي مساس بثوابت الدولة، بغض النظر عن مواقفهم وتقييمهم لخيارات هذه الأخيرة الإستراتيجية، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال، احتكار وضع خطوطها الرئيسية خارج إطار المقاربة التشاركية مع باقي الفاعلين الأساسيين في الدولة والمجتمع.

وحتى موقفها من قضية وحدتنا الترابية، الذي يناقش في مؤتمراتها ويقع فيه الشد والجدب بين أطرافها، غالبا ما يحسم النقاش فيه في آخر المطاف، بتبني موقف يدعم الخيار الديمقراطي في تسوية نزاع الصحراء المغربية، على اعتبار أن الملف يعالج في الإطار الأممي وبرعاية مبعوث أممي وفق رغبة الأطراف المعنية به .

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لها مكانتها الوطنية، ولها احترامها الإقليمي والدولي، وحدث تتويج الرئيسة السابقة لهده الجمعية، الأستاذة خديجة الرياضي في الأمم المتحدة، يشكل اعترافا دوليا بالمصداقية التي تتمتع بها الجمعية بسبب رصيدها الحقوقي، الذي راكمته مند التأسيس في مجال رصد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي أقرت الدولة المغربية واعترفت بوقوعها عندما أحدثت هيئة للإنصاف والمصالحة، شرعت برغبة ملكية في بحث الانتهاكات التي وقعت في المغرب خلال الفترة الممتدة بين 1956 وسنة 1999، لجبر الضرر الفردي والجماعي للضحايا في إطار مبادئ العدالة الانتقالية.

لماذا هذه الردة الحقوقية؟ لماذا تحن أطراف داخل الدولة بالعودة بمسألة حقوق الإنسان سنوات إلى الوراء؟ لماذا هذا التشنج في العلاقة مع جمعية يناضل فيها طيف سياسي كبير يعبر من داخلها على آرائه ومواقفه بكل حرية؟ متى كان خيار الحرب على المنظمات الحقوقية والناشطين في مجال حقوق الإنسان خيارا ناجعا وموفقا في المغرب؟ مادا ستربح الدولة من قمعها للحريات وتضييقها على أنشطة المنظمات الحقوقية داخليا؟ ومادا ستخسر في مقابل ذلك أمام المجتمع الدولي؟

تطور الممارسة الحقوقية في المغرب وتوسيع هامش الحريات العامة فيه، أمر مفيد للدولة، وورقة رابحة تحسد عليها من قبل القريب والبعيد. لهذا، فالحكمة تقتضي من العقلاء في هذه الدولة، ترتيب أولويات الدولة وتقييم سياساتها العمومية في الاتجاه الذي يأخذ بعين الاعتبار صورة المغرب وسمعته في الداخل والخارج، لتعزيز مكانته الحقوقية في الفضاء المغاربي الذي ينتمي إليه، كحد أدنى، في ظل الاتهامات التي توجه للدولة بانتهاك حقوق الإنسان من قبل خصومها في المحافل الحقوقية الدولية.

المقاربة الأمنية لها سياقاتها ولها محدداتها ولها أطرافها الذين ينبغي التعامل معهم وفقا لها، والخيارات التي ستجعل من المغرب في أسفل دول العالم في مجال احترام الحقوق المدنية والسياسية وحرية الصحافة والإعلام، من الأفضل التخلي عنها، ورميها في محفظة الماضي الأليم، الذي أسسنا لبداية القطع معه، في إطار مبادئ العدالة الانتقالية مع هيئة الإنصاف والمصالحة.

التحديات التي تواجه الفضاء المغاربي الذي ينتمي إليه المغرب كثيرة ومعقدة، وانشغالات الدول الحيوية والإستراتيجية في المجالات العسكرية والأمنية، ينبغي أن تتحدد على ضوء هده التحديات، وعلى ضوء المخاطر التي يمكن أن تنجم عنها، مع كل ما يترتب عن ذلك من استهداف للأ من والإستقرار.

المعركة الأمنية - من وجهة نظري المتواضعة - ينبغي أن تكون في مواجهة الغلو والتطرف والإرهاب الأعمى، الذي يأتي على الأخضر واليابس، عوض استنزاف جهود الدولة في ملاحقة الحقوقيين والنشطاء والصحفيين بشكل مبالغ فيه.

الدولة دجنت الحياة السياسية عبر مراحل، وشقت الأحزاب وبعثرت أوراق المركزيات النقابية، وصنعت المجتمع المدني الموازي، غير أنه ليس من مصلحتها اليوم قتل النضال الحقوقي، الذي ينبهها لأخطاء سياساتها العمومية الخاطئة، ولهفوات أجهزتها وموظفيها المكلفين بإنفاذ القوانين، ولأعطاب المجتمع الحقوقية والمدنية والسياسية.

الطبيعة تخشى الفراغ، وسياسة القتل السياسي والحقوقي والإعلامي الممنهج، لا تخدم الخيار الديمقراطي ولا التنمية ولا الأمن ولا الاستقرار في البلاد.. بل على العكس من هذا، فإن نزعة القهر والهيمنة والتحكم، تقوي نزعات الاستبداد والغلو والتطرف والتعصب، وتساعد على توسيع الهوة داخل المجتمع، وتسمح للتعبيرات الدينية المتشددة التي لا تؤمن إلا بالعنف، بالتغلغل فيه والنفاذ إلى أعماقه.
ليس عيبا أن تنصت الدولة لمواطنيها العقلاء والحكماء ولتنظيماتها السياسية والحقوقية الوطنية التي تتمتع بالمشروعية الديمقراطية والنضالية.
الكل ينتمي لهذا الوطن، والكل تربطه به علاقة حب لا يمكن الشك فيها على الإطلاق، بحكم رابطة الانتماء إليه، والكل يتعبر نفسه معنيا بوحدة البلاد الترابية وبأمنه واستقراره المجتمعي، لاسيما، عندما تكون التحديات التي تحيط بنا كثيرة والمخاطر المحدقة بنا جمة، في ظل الزحف المخيف والسريع لخطر الإرهاب والتطرف والطائفية السياسية والدينية التي تهدد كيانات الدول الوطنية.

لو كان في ليبيا أحزاب سياسية ومنظمات مدنية وحقوقية وصحافة مستقلة وهامش حرية، ولو محروس، لما آلت الأوضاع فيها إلى ما آلت إليه اليوم، ولما أصبح السلاح فيها موزعا بين القبائل المتناحرة في كل أطرافها، من بنغازي إلى طرابلس... بخلاف الأوضاع في تونس الشقيقة، التي ساعدها الوعي المدني والحقوقي الذي تجدر فيها مند عهد الرئيس بورقيبة، وساعدها في الخروج من عنق الزجاجة بعد سقوط النظام الاستبدادي لابن علي، رغم مخاطر الجوار المتربص الذي يحيط بتونس، ورغم لعبة الاستقطاب الدولي والإقليمي نحوها.
الحكمة السياسية في التعاطي مع الفعل الحقوقي في المغرب مطلوبة اليوم في تدبير شؤون الدولة التي ينبغي عليها ألا تشتت تركيزها وجهودها في مواجهات وحروب داخلية صغيرة تضرها أكثر مما تنفعها.

ما هو أمني وحيوي وجيواستراتيجي بالنسبة للبلاد يتطلب تعبئة وطنية شاملة ومسؤولة، تتضافر فيها جهود كل الأطراف داخل الدولة، من أجل تمنيعها وتحصين المكتسبات التي راكمتها خلال عقود من الزمن، بدل التفريط فيها بسياسات خاطئة لا تنظر للتحديات والمخاطر التي تتهدد أمن واستقرار الأوطان نظرة ثاقبة وواعية في ظل عالم متغير.