يحيى بن الوليد

في هذا المقال، الوجيز، أودّ مواصلة الحديث عن موضوع مرتبط بالموضوع السابق ذي الصلة بـ"كراهية النساء" في "مغرب اليوم" وتعيينا من قبل صنف من "الخطاب الديني" الذي راح يتستر على "خوائه الفكري الاجتهادي" من خلال "تهريب النقاش" نحو مواضيع هامشية بل لا تزيد إلا في تكريس "ارتباك" هذا الخطاب وتأكيد عجزه عن التفاعل مع "السياق التاريخي" الذي يستوعب المغاربة ككل في اختلاف مرجعياتهم وجغرافياتهم أيضا.

في فترة سابقة، وغير بعيدة، وفي تزامن مع "الانفجار الإعلامي" وتعدد وسائط الاتصال، باشرنا بروز فقيه من نوع جديد، في عالمنا العربي، وهو "الفقيه الفضائي" نسبة للفضائيات وليس الفضاء. ومن هذه الناحية كان لهذا الفقيه ما أراد، مما ضمن له جمهورا عريضا. وفيما بعد، وهذه المرة في تزامن مع انطلاق شرارة "الربيع العربي"، تأكد اتساع مفهوم "الشاشة" وعلى النحو الذي لم يجعلها مقرونة بجهاز التلفزيون. وفي سياقنا العربي، المنهك بمظالم الاستبداد وأشكال المصادرة والتأجيل، يسهل علينا أن نفهم كيف أن "السخط الاجتماعي" ما كان له أن يسمع صوته رنّـانا لولا "السخط الإلكتروني".

وكان، وبالنظر لـ"التحوّل" في "الإسلام السياسي" من الإسلاميين المتشددين ثمّ السلفيين وصولاً إلى "الجهاديين"، أن يستقر "الفقيه" على خيار "الجبهة الإلكترونية" طالما أنها تسعف على "تصريف الخطاب" في إطار من استراتيجيا عملية مدروسة وإجرائية بل ومنظمة ومنمطة. ومن ثم انتشار الخطاب الأخير، وعلى نطاق واسع، وعلى النحو الذي يضمن لـ"الرسالة" وصولها لـ"المجموعات" التي يتم الرهان على توسيعها أكثر في سياق حرب الاكتساح وكسب الضمائر... وعلى النحو الذي يتكشَّف عنه "استعمال الدين" لـتحقيق أهداف إيديولوجية صرفة، بل وللتشويه الإيديولوجي لا أكثر في أحيان كثيرة بالنظر للعجز الكامن في "الخطاب" وحول الخطاب. فالحضور، في الجبهة الإلكترونية، منتظم وضروري. وكما في أي نوع من الاستعمار، وبما في ذلك "الاستعمار الفقهي" في حال المرأة، فالسيطرة على وسائل الإعلام تسبق السيطرة على وسائل الحياة واللغة كما قال الفيلسوف ومؤرخ الأفكار تزفتان تودوروف في كتابه "فتح أمريكا".

قبل أسابيع قالت الفنانة الشعبية المغربية الشهيرة (نجاة اعتابو)، في إحدى سهراتها بمدينة أكادير، وفي لحظة "تخدير جماهيري رعوي"، مخاطبة الجمهور الذي حضر بكثافة للاستمتاع بالسهرة قاصدة الذكور منهم بخاصة، إن "الشراع إلى عطاكوم ربعة حنا محددليناش نديو شحال مبغينا"، وزادت: "إلا كان عندنا قلب واحد كيف غدي يدير الراجل مع ربعة ديال النسا، ولي قالها عرفوه كيكذب عليكوم".

والظاهر أن مثل هذه الأقوال، أو "الانزياحات"، وعلى مستوى الخطاب، عديدة في حياتنا، ولاسيما في السهرات الخلفية. وقبل ذلك تبدو مقبولة، من قبل "الجملهير"، وإلا لكانت المغنية الشعبية لتجرأ على هذا "القول". غير أن "الرد" عليها سيأتي من الفقيه النهاري ومن خلال فيديو في "يوتوب" ومن 12 دقيقة. وأما فيما يتعلق بعدم تأخر الفقيه في الرد فالأسباب لا تبدو، لنا، متشعبة طالما أن الأمر يتعلق بـ"الواجب الديني" وفق "فهم محدّد" أو بالأحرى وفق "نمط تأويلي". ودون أن تفوتنا الإشارة إلى "عامل البحث عن الشهرة"، و"نجاة اعتابو" تسعف على ذلك مقارنة مع وقائع أخرى ترتبط بأشخاص آخرين كان للنهاري "رأيه" فيهم الذي أثار "زوبعة".

وفي حال المغنية الشعبية، وحتى إن كان الأمر لم يبلغ حد التهديد بمعناه الحرفي، ومن قبل "الفقيه الإلكتروني"، فإنه لم يتم "التدخّـل" في الموضوع من قبل "المحللين والكتاب والمثقفين والمعلقين... وطبعا دون أن نجعل من الموضوع قضية ومن القضية الموضوع. ولكن مع ذلك ثمة ما يدعو إلى محاولة فهم ما تصرّ "المطحنة" على التهامه. أجل لا نوافق على أي تطاول على"الثوابت الدينية"، ولا نملك إلا أن نعارض ذلك. غير أن الخطورة في انتفاء الاعتراض ذاته لفائدة الإصرار على ترسيم خرائطي لـ"خطاب نقيض" قائم على "الانزلاق اللفظي" و"فائض الوثوقية" و"سائل الامتلاء" و"لوثة التهكم"... وغير ذلك من "الإواليات" أو "الميكانيزمات النارية" للخطاب النقيض، وعلى النحو الذي أفضى بالفقيه لا إلى الاكتفاء بإخراج "الفنانة" من دائرة "الشرع والشريعة" فقط، بل وجعلها على "أبواب جهنم".

النهاري مجلى لنسق "الدين المؤدلج" (كما ينعته أدونيس)، نسق لا مجال فيه لـ"بالتي هي بأحسن" ولمضاعفة الوعي السمح بالدين السمح، نسق مصر على تأجيج نيران "كراهية النساء"؛ مما يدعو إلى "التمييز بين وجه الدين المتعصب ووجهه الإنساني والأخلاقي والروحي".