في البدء كانت الحجارة.. ثم السكاكين.. ثم الاحزمة الناسفة.. فهل يعيد التاريخ نفسه.. اليوم وغدا وبعد غد؟

الانتفاضة الثالثة بدأت بالحجارة والسكاكين معا، وبطريقة عفوية، ودون قيادة، وبعيدا عن الفصائل، اسلامية جهادية كانت، او ليبرالية علمانية، فهل ستكمل الدائرة وتدخل مرحلة اللجوء الى السلاح؟

ربما يسأل البعض من اين سيأتي السلاح والضفة الغربية محاصرة، والقدس المحتلة تحولت الى ثكنة عسكرية اسرائيلية، والمستوطنون دخلوا الميدان بسلاحهم الذي زودتهم به السلطات الاسرائيلية، واخذوا ضوءا اخضر قويا باطلاق الرصاص تحت ذريعة الدفاع عن النفس؟

***
الانتفاضة الثانية المسلحة التي انطلقت عام 2000، وبعد اتضاح مؤامرة مؤتمر كامب ديفيد للسلام التي تريد ابتلاع القدس المحتلة، واقتحام ارييل شارون المسجد بحماية الشرطة.. هذه الانتفاضة وجدت السلاح، مثلما وجدت، او بالاحرى اوجدت الاحزمة الناسفة، والحاجة دائما هي ام الاختراع، سواء اختلف البعض معها او اتفق.

حصار قطاع غزة الخانق، والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة عليه، ادى الى تطوير تكنولوجيا صواريخ على درجة عالية من الكفاءات، بدأت ابعادها من كيلومترين وتطورت الى خمسين وستين كيلومترا، مثلما ساهم الحصار في تطوير تكنولوجيا اخرى لا تقل خطورة، وهي هندسة الانفاق.

الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات الذي فجر الانتفاضة الثانية وسلحها، اقسم لرئيس تحرير هذه الصحيفة “ان معظم السلاح الذي جرى استخدامه فيها استطاع الحصول عليه من الاسرائيليين انفسهم”، فالشعب اليهودي، وحسب قوله، “هو من اكثر شعوب العالم فسادا، ويمكن شراء جنرالات بالمال، وتهريب او شراء اسلحة من خلالهم”، وليس ادل على كلامه ان عدة رؤساء وزارات، ووزراء، ورؤساء الدولة حوكموا بتهم فساد.

قطاع غزة كان مزدحما بأحدث السيارات من اغلى الانواع الى ارخصها، وكلها كانت مهربة من قبل سماسرة يهود، يتركونها في مكان معلوم لنظرائهم الفلسطينيين مقابل ثمن متفق عليه، وهكذا تحول القطاع الفقير المعدم الى جنة للسيارات الفخمة، وما على الزبون المفترض الا ان يحدد النوعية التي يريدها، لتكون في حوزته في اقل من عشرة ايام، وقد صعقت شخصيا عندما شاهدت زميل دراسة فقير معدم، يقود “جيبا رباعي الدفع″، يزيد ثمنه عن مئة الف دولار.

نعود الى الانتفاضة، وليس الى “الهبة”، مثلما يفضل البعض تسميتها تقليلا من اهميتها، ونقول ان استمرار عمليات الاعدام الميدانية من قبل الجنود والمستوطنيين الاسرائيليين لشبان الانتفاضة وفتياتها، سيؤدي حتما الى الانتقال بها الى مرحلة الرصاص والاحزمة الناسفة، فاذا كان المستوطنون يلجأون الى بنادقهم الآلية، ويتصرفون كما لو انهم فوق القانون، ويعتدون على الآمنين في مدينة الخليل ومدن وقرى اخرى، فان الفلسطينيين سيلجأون للشيء نفسه في نهاية المطاف، وسيطورون قدراتهم الدفاعية والهجومية ايضا، ولن يقبلوا ان يذبحوا مثل النعاج حاشا الله.

وربما يجادل البعض بالقول ان هذا التوجه سيشكل “انتحارا” بسبب الفارق الكبير في قدرات وامكانيات الجانب الاسرائيلي بالمقارنة مع قدرات وامكانيات هؤلاء الشباب المنتفضين، وهذا الجدل صحيح، ولكن هل كانت موازين القوى متساوية في الانتفاضتين الاولى والثانية؟ وهل كان المدافعون عن مخيم جنين يملكون صواريخ “تاو” او “كورنيت”، للتصدي للدبابات الاسرائيلية التي احتاجت المخيم واحتاجها الامر اكثر من اسبوعين للسيطرة على مخيمهم، الذي لا تزيد مساحته عن كيلومتر مربع، وخسرن اسرائيل 26 عسكريا من بينهم جنرالات كبار؟

الحكومة الاسرائيلية جندت العالم بأسره بعد ان فشلت في السيطرة على ظاهرة الاحزمة الناسفة، او بالاحرى العمليات الاستشهادية، وجرى تشكيل اللجنة الرباعية الدولية، ووضع خريطة للطريق تقود الى دولة فلسطينية مستقلة لامتصاص الغضب الفلسطيني، وتهدئة الاوضاع في الارض المحتلة، ولكن كل هذه الخطوات تبخرت بعد ان نجحت في تحقيق التهدئة.

الشبان الفلسطينيون المنتفضون عالم آخر مستقل بذاته، لا يشاهدون تلفزيون السلطة، ولا يقرأون صحفها، بل اراهن انهم لا يعرفون اسماءها، مثلما لا يشاهدون “الجزيرة”، و”العربية”، ولا يريدون، هؤلاء هم جيل وسائط التواصل الاجتماعي و”اليوتيوب”، ولذلك لم تتلوث افكارهم، ولم تهتز عزائمهم.

***
عندما يحاصر اكثر من عشرة جنود اسرائيليين فتاة في 19 من عمرها تحمل سكينا، واياديهم جميعا على الزناد، والرعب مرسوما على وجوههم، يمكن ان نقرأ موازين القوى بشكل اكثر وضوحا وصدقا.

الشجاعة صبر ساعة.. وهؤلاء الشبان مستعدون للصبر ساعات، واشهر وسنوات، فقد رضعوا الصبر مجبولا بالكرامة والعزة والشجاعة، وتربوا على الفوز بالشهادة، كقمة المنى، ولذلك فان انتفاضتهم الحالية ستكون مختلفة عن كل الانتفاضات السابقة، وطالما انهم سيستشهدون بالرصاص الاسرائيلي الحي، اذا قذفوا حجرا او اشهروا سكينا.. فلماذا لا يلجأون الى البنادق او الاحزمة الناسفة؟

سياسات نتنياهو الاستفزازية وقتلها لعملية السلام، واقتحماتها المتكررة في المسجد الاقصى هي المسؤولة عن اي تطور في هذا الاتجاه، وهي المحرض الاكبر على سفك الدماء.

هذا الشعب انتفض ولن يتوقف حتى يغير كل المعادلات السابقة، ويضع حدا لعمليات الاذلال الاسرائيلي، وهوان السلطة الفلسطينية وتواطؤ اجهزتها الامنية مع الاحتلال.. والايام بيننا.