منذ أحداث 16 ماي 2003، وقبل ذلك أيضا بدا أن الحاجة إلى إعادة النظر في مناهج وبرامج مادة " التربية الإسلامية" بالمدرسة المغربية بات أمرا ملحا وضروريا، وذلك ارتباطا بتنامي مد التطرف الديني، غير أن القائمين على الشأن التربوي في بلادنا لم يمتلكوا جرأة التصدي لهذا الموضوع بسبب الحساسية المفرطة التي يثيرها من جهة، وبسب (وهذا هو الأهم) غياب الإرادة السياسية لدى الدولة في التعاطي مع هذا الملف من جهة ثانية... واليوم، وبعد قرار الملك القاضي بالعمل على تعديل برامج التربية الدينية في المدرسة المغربية، عاد الموضوع إلى الواجهة من جديد. ولابد أنه سيثير نقاشا واسعا بين الفاعلين التربويين والحقوقيين والدينيين في ظل بيئة ثقافية مازالت غير مستعدة للتعاطي النقدي مع حضور الخطاب الديني وتأثيره في تشكيل وعي المغاربة وتوجيه سلوكهم. فما دلالة هذا القرار الداعي لإصلاح مناهج التربية الدينية؟. وما الذي ينبغي تعديله بالتحديد؟ وما منتظرات هذا الإصلاح المرتقب؟.
الدعوة إلى إعادة النظر في برامج تدريس التربية الدينية يؤكد أن الدولة قد اقتنعت أخيرا أن التصدي للإرهاب والتطرف والتكفير ينبغي أن يبدأ من المدرسة. وهذا يعني أن الخطاب الرسمي بدأ يتوجه إلى اعتماد مقاربة جديدة مرافقة للمقاربة الأمنية التي جنبت بلادنا خلال السنوات الأخيرة خطر الضربات الإرهابية في عدد كبير من المناسبات. لكن الإعتماد على النهج الأمني وحده لم يعد كافيا، مادامت المقدمات التي تؤدي إلى السلوك الإرهابي ثاوية في الثقافة السائدة التي لا تقبل الإختلاف والتعدد... لذلك من الضروري أن يتم التعامل مع منابع الإرهاب قبل التعاطي الزجري مع الإرهابيين. ولا يختلف إثنان عن الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة التعليمية في تحقيق هذا المسعى. لكن ينبغي أيضا التأكيد على أن سياسات الدولة المنتهجة في التربية والتعليم ساهمت في تنامي ظاهرة التطرف، فقد اختارت الدولة في فترة من الفترات أن تستعمل مادة " التربية الإسلامية" كأداة لمحاصرة ومواجهة المد اليساري خصوصا في سبعينيات وكذا بداية ثمانينيات القرن الماضي. أي أن حضور التربية الإسلامية كمادة مدرسية لم يرتبط بالتزام بيداغوجي وتربوي، بل فرضه اختيار سياسي بالدرجة الأولى. وبهذا المعنى، فإن القرار الرسمي بمراجعة مناهج التربية الدينية هو اعتراف بفشل السياسات والإختيارات التربوية للدولة. وهو تأكيد أيضا على أن الشكل الذي تحضر به مادة "التربية الإسلامية" في المدرسة المغربية له دور ما في تنامي خطر التطرف والإرهاب.
استعمال صيغة: "دور ما" له ما يبرره هنا، لأن الوقائع تثبت أن الإرهاب أصبح يشكل تهديدا دوليابإشراطات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية أيضا، لذلك لا يمكن تحميل المنظومة التربوية وحدها كامل المسؤولية في استفحال الظاهرة. ومع ذلك فإن إصلاح وتعديل البرامج التربوية المتعلقة بمادة التربية الإسلامية في مختلف الأسلاك التعليمية سيكون له تأثير كبير في التأسيس لجيل جديد يتربى على قيم الإختلاف والتسامح والحرية ونبذ العنف والكراهية والإنغلاق. لذلك فإن مجالات هذا التعديل ينبغي أن تتوجه إلى إصلاح وتغيير كل ما من شأنه أن يؤول بشكل أو بآخر إلى سلوك يتعارض مع نبل الإسلام وسماحته وإنسانيته، لأن كثيرا من المفاهيم والدروس التي تلقن لتلامذتنا تبدو حاملة لبذرة التطرف والكراهية سواء كان ذلك عن وعي أو بدونه. وفي هذا المقام أرى أن تقديم المادة في أقسام المدرسة الإبتدائية على وجه الخصوص ينبغي أن يحظى بالأولوية في هذا الإصلاح المرتقب، لأن حقنة اللقاح ضد سلوك التطرف والكراهية والحقد يكون لها مفعول أكبر في هذه المرحلة العمرية المبكرة...
وعندما نتفحص نوعية البرامج التي تلقن للتلاميذ المغاربة في التعليم الإبتدائي في مكون القرآن الكريم مثلا، نتوقف عند الحمولة المفاهيمية العنيفة التي يتعلمها الأطفال في هذه المرحلة بسبب التركيز على برمجة سور قرآنية فيها مجال مكثف من التخويف والترهيب من خلال تضمنها لمشاهد القيامة وعذاب القبر وثنائية المؤمن والكافر والجنة والنار... لذلك من الأجدر أن يتم في هذه المرحلة التركيز على تلقين التلاميذ سورا وآيات قرآنية وتعريفهم من خلال مشاهد من حياة النبي صلى الله وعليه وسلم في مكوني السيرة النبوية والآداب الإسلامية بكل القيم التي تحمل معاني الرحمة والتضامن والتعاون والإحترام والمحبة... أما في المستوى التأهيلي فينبغي إعادة النظر في كل ما يمكن تأويله بعيدا عن سياقه الثقافي والتاريخي مثلما هو الشأن في مؤلف السيرة الموجه لتلاميذ السنة الثانية باكلوريا وتحديدا في موضوع الغزوات الذي يتم توظيفه لتقديم فهم مغلوط لدلالة الجهاد في الإسلام... وتأسيسا على هذا يبدو لي أن زرع قيم الإسلام السمح في سلوك التلميذ يقتضي تربيته على كل ما من شأنه أن يعزز لديه ثقافةاحترام الآخر والتسامح والحوار وتقبل النقد والإختلاف... وكلها مبادئ يتقاطع فيها الإسلام الصحيح مع الحقوق الإنسانية في دلالتها الكونية.
إن قيم ومبادئ حقوق الإنسان كماهي متعارف عليها في المواثيق الدولية هي التي ينبغي أن توجه إصلاح مناهج التربية الدينية. وينبغي أن نلاحظ هنا أن قرار الإصلاح تحدث عن تربية "دينية" وليست "إسلامية". وفي هذا دلالة على ضرورة تجاوز الخطاب التربوي التقليدي الذي يضع الخصوصية في مواجهة الكونية. أي أن مادة التربية الإسلامية كما يتم تدريسها اليوم لا تحقق التناغم بين الخصوصي والكوني،وينبغي في أحد مداخل الإصلاح أن تنفتح على الديانات الأخرى المختلفة في إطار حوار تربوي يسمح باحترام مختلف الأديان لا بنبذها وتكفير معتنقيها وتقديمهم كأعداء. فقد آن الأوان لأن نجعل خصوصيتنا المغربية منسجمة مع مطلب الكونية. أي أن نجاح هذا الإصلاح لن يتحقق إلا من خلال الإلتزام الكامل بمنظومة القيم الإنسانية ونبذ كل ما يمكن أن يتناقض من داخل التراث الإسلامي مع مطلب حقوق الإنسان. وتبقى خطوة تعديل البرامج التربوية مقدمة مهمة لبناء مغرب يتسع للجميع بدون وصاية أو مصادرة أو ترهيب. لكن من المؤكد أن محاربة الإرهاب يقتضي أيضا مزيدا من التدابير في مراقبة الشأن الديني وعقلنته وتشجيع الإجتهاد والتاسيس لقراءة جديدة للتراث تنسجم مع متطلبات العصر ومقتضياته.