لا يقوى الإنسان في مجتمعات مثل التي نعيش في كنفها على صد السموم الوثوقية المنتشرة في الهواء من اختراق جدران فضاءاته الخاصة إذ يتعلق الأمر بسموم من نوع خاص تمتلك قدرة خبيثة تمكنها من اختراق الأجسام الصلبة،هذا النوع من السموم لا يمكن انتاجه إلا ضمن مختبرات مدججة بمعدات وتقنيات كتب عليها صنع في بلاد اللاعلم واللاعقل، مختبرات يهدف المشتغلون في محيطها اختبار فرضيات طرحها أسلافهم منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا،مختبرات إذا ما حدث ووصلت إلى معطيات أو وقائع مخالفة للأسس التي وضعتها فإنها غالبا ما تقوم بلي عنق أدوات اشتغالها أو تبحث عن حلول وتخريجات لإنقاذها عوضا عن البحث الموضوعي الجدي في نقدها ومناقشتها قصد الوصول إلى تغييرها أو تعديلها أو رفضها، مختبرات لا تمنح شهاداتها اللاعلمية إلا لأولئك الذين يملكون عقلا صلدًا مسيجًا بأسلاك دوغمائية شائكة.

أليس من حق الإنسان في مجتمعاتنا أن يتنفس هواءً نقيًا؟ أليس من حقه امتلاك إله خاص به؟ أليس من حقه أن يشيد دينا يتوافق و طرق الفكر التي يسلكها ويختلف عن الأديان التاريخية المشكلة بشريًا؟
لا يجد أبناء مجتمعاتنا حرجا في اقتحام فضاءات الناس الخاصة دون إذن، وتلويثها بأسئلة لئيمة من قبيل: ألا يتوفر منزلك على سجادة للصلاة؟ آلا تصلي؟ لم أراك قط تترد على المسجد من أجل أداء صلاة الجمعة؟ هل أصبحت نصرانيا؟
إن الصلاة التي تنادي بها الشريعة الإسلامية ترهيبا وترغيبا والتي لم يشر القرآن إلا لقيمتها وضرورتها دون التطرق لكيفية آدائها أو قوانينها لا ترتبط بالإسلام وحده بل دعت لها كل الأديان الأخرى التوحيدية وغير التوحيدية، كما أن كلمة الصلاة في اللسان العربي غير مشتقة من الصلة بين العبد وربه كما يدعي فقهاء الظلام، إذ أن الصلة مستمدة من الفعل وصل يصل وصلا ولا علاقة لها بالصلاة، والحقيقة أن كلمة "الصلاة" كما أكد الباحث "زكرياء أوزون" مأخوذة من الكلمة العبرية "صلوتا" التي تعني الصلاة في الديانة اليهودية أو المكان الذي تقام فيه الأذكار والصلوات،وهذا يبرر كتابتها في بعض مواضع القرآن على شكل (الصلوة).

من المؤكد أن نبي الإسلام اطلع على أديان الأمم التي سبقته وأدرك أهمية طقوس العبادة في إرساء أواصر التعارف والتواصل والتلاحم والتعبير وتحمل المسؤولية بين أتباع الدين الواحد من جهة، وبين ما يتبعونه ويؤمنون به من جهة ثانية، لذلك تم تشييد الطقوس المتعارف عليها في الشريعة وفي مقدمتها الصلاة. كما أن أحاديث نبي الإسلام وإن صحت بشأن تارك الصلاة لا شك أنها قيلت لسبب مادي سياسي بحث يتعلق ببناء الدولة الإسلامية الفتية ولا علاقة لها بالتقرب أو المحبة أو الإيمان بالله، فالنبي قام بجمع أتباعه وأصحابه تحت لواء واحد وشعار واحد وطقوس واحدة وهوية واحدة لمجابهة الآخرين،وما يدل على ذلك دعوته للاختلاف عن غيرهم كما في قوله "خالفوا المشركين، وفروا اللحى وحفوا الشارب".

إن أي محاولة للتحرك في دائرة الإيمان المفتوح ليست مروقا عن الدين الحق بقدر ما هي محاولة جادة للاقتراب منه. يقول كانط: " إن إيمان الشعائر هو إيمان السخرة والأجر (إيمان المرتزقة الدليل ). ولا يمكن أن ينظر إليه بوصفه إيمانا مخلصا لأنه ليس خلقيا. وذلك أن الإيمان المخلص ينبغي أن يكون إيمانا حرا، مؤسسا على نوايا من القلب خالصة ( فهو إيمان الحر)". فالدين لا يحتاج إلى قطيع يمارس الشعائر دون فهم لمعناها، كما لا يحتاج لقطيع يتملق الإله بغية الحصول على ما عبر عنه الروائي الأنيق برهان شاوي في أحد مقاطع روايته ا "متاهة إبليس" بتبن الفردوس. بل ولا يحتاج إلى أناس يحولون النعيم الأخروي إلى جهاز ابتزاز أخلاقي للفانين على الأرض. وإنما يحتاج إلى أناس أحرار يؤمنون بأنفسهم وبما تمليه عليهم عقولهم. هكذا لن يعود الدين يفرض على أي أحد أن يصير نفسه عبدا " إلا الذي يريد وطالما هو يريد كذلك".

إن الدين الحق لا يحتاج لأي طقوس حتى يضفي المشروعية على نفسه، إنه يحمل الله في قلبه بوصفه فكرة الخير القصوى الممكنة لنا، والمصدر الذي تنهل منه كل القيم الأخلاقية. الإيمان الحر لا يتاجر مع الله ولا يتفاوض معه، بل يؤمن به لذاته. فالعقل وحده الكفيل بإزالة الشعور بالذنب وليس الشعائر. فاختزال الدين في الشعائر أو القشور كما يحلوا لإسبينوزا أن يطلق عليها، لا ينم سوى عن جهل بالأصل السياسي لكل ضرب من ضروب الطاعة في مسائل الآخرة. أو بعبارة أيسر إن أداء الشعائر والطقوس ضرب عقدي من إنتاج الدولة، التي ابتغت من ورائه نقل مصدر الديون من الأرض إلى السماء ،وبالتالي إبعاد الشبهات عنبها.
ومن أجل ذلك فليس الدين هو مصدر الأخلاق كما يتوهم غالبية الناس، بل العكس هو الصحيح، " لا يصبح الإنسان متخلقا لأنه متدين،بل الأمر بعين الضد، إنه لا يصبح متدينا إلا لأنه متخلق، أي قادر على إعطاء قيمة أو غاية نهائية لحريته."

وبالتالي فوجود شيء يقدسه الإنسان معطى ضروري غيابه يفرغ الفعل الإنساني من المعنى، بل يجعله تائها في صحراء شاسعة دون وجهة. لكن إحترامنا لهذا الشيء المقدس يجب أن يكون احتراما حرا خاليا من الإكراه والقهر و المصادرة التي تفرضها عليه الشعائر النظامية المنغلقة، أي ألا يتنافى احترامه مع قوانين العقل المحض. ذلك أن هذا الاحترام نابع من حاجة خلقية في طبيعتها وليس من خوف كسول من المجهول.ومن تمت فإن الدولة لا تحتاج إلى الدين حتى تفرض سلطتها على المواطنين، لأن طاعة السلطة أمر أخلاقي بالدرجة الأولى وتغليفها بلباس ديني لن يضيف إليها أي شيء.