ينص الدستور المغربي في فصله الـ 19 على ما يلي "يتمتّع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها"، ويمنح في فصله الـ 111 القضاة العديد من الحقوق التي تسمح لهم بالقيام بمهامهم دون تضييق أو خوف، حيث جاء فيه "للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفّظ والأخلاقيات القضائية؛ يمكن للقضاة الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون؛ يُمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية".

هذا، وينص الفصل 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على ما يلي: "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية". و"لكل إنسان الحق في اعتناق آراء دون مضايقة؛ لكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقّيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها". وفي مجال القضاء، يجدر استحضار "مجموعة المبادئ الأساسية" بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتُمدت في مؤتمر الأمم المتحدة السابع سنة 1985، والتي على المشرّع المغربي احترامها والتعامل في ضوئها كما يُلزمه بذلك الدستور. فالمادة 8 من هذه المبادئ تعطي الحق "لأعضاء السلطة القضائية، شأنهم في ذلك شأن المواطنين الآخرين، التمتع بحرية التعبير والاعتقاد والانتساب والتجمع، شريطة أن يتصرف القضاة دائماً في ممارستهم هذه الحقوق على نحو يحافظ على هيبة ووقار مناصبهم وعلى نزاهة واستقلال السلطة القضائية". وتنص المادة 9 على حرية القضاة في "تشكيل جمعيات للقضاة أو منظمات أخرى والانضمام إلى تلك الجمعيات أو المنظمات التي تمثّل مصالحهم وتعزّز تدريبهم المهني وتحمي استقلال السلطة القضائية". ومن أجل حماية القاضي وتحصينه من كل محاولات التأثير، نصّت المادة 12 على أن "يبقى القضاة في مناصبهم، سواءً كانوا معينين أو منتخبين، ويمارسون مهام عملهم حتى سن التقاعد الإجباري أو حتى انتهاء مدة تعيينهم في المنصب، إذا كانت هذه المدة محددة". كما لا يخضع القضاة "للتوقيف عن العمل مؤقتاً ولا يفصلون من مناصبهم إلا لأسباب تتعلق بعدم قدرتهم على أداء وظائفهم أو بسبب سلوك غير مناسب" (م 18).
إذا كان هذا هو الوضع الذي تفرضه المواثيق الدولية والدستور المغربي من أجل حماية القضاة وتحصينهم من مختلف أنواع التنكيل والضغط، فما هو حال المشاريع التنظيمية التي تسعى الحكومة إلى تمريرها؟ ولماذا يتعرض القضاة الذين يبدون رأيهم فيها إلى المساءلة والإحالة على التأديب؟ هل لأنهم يخالفون المواثيق الدولية أم لأنهم لا يحترمون الدستور أم لأنهم يخلطون بين حرية التعبير واتخاذ مواقف سياسية؟
حيث إن وزارة العدل دعت قبل سنوات إلى حوار وطني من أجل إصلاح العدالة، وحيث إنها أشركت بعض القضاة في هذا الحوار، وحيث إن الأغلبية الحكومية حاولت أن تتراجع عن مُخرَجات الحوار وفرضت بعض الأمور التي تعارض الدستور وتقوّض الحماية القانونية التي توفّرها المواثيق الدولية للقضاة، إذ تمنع بنود المشاريع المقترحة القضاة من تأسيس جمعية غير مهنية (م 38 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة )في انتهاك صريح للفصل 111 من الدستور والبندين الثامن والتاسع للمبادئ الدولية لإعلان استقلالية السلطة القضائية، كما أنه وإن تم التراجع الإيجابي عن تبعية النيابة العامة لوزارة العدل، فإن ذلك لم يكتب له الاستقرار إلا بعد نضال كبير وترافع هام من طرف القضاة والجمعيات الحقوقية دون أن يتم تنزيل مقتضيات الاستقلالية بشكل مطلق بعد ابتداع مصطلح الأوامر بدل التعليمات الدستورية المقيدة بشرطي الكتابية والقانونية مع إلزام الوكيل العام بعرض تقريره امام البرلمان في خرق للفصل 109 من الدستور فضلا عن أن الفصل 160 منه حدد على سبيل الحصر المؤسسات التي تقدم تقارير أعمالها للبرلمان.
وحيث إن القضاة غير مُمثّلين في غرفة البرلمان ولا يمكنهم أن يدلوا بآرائهم في هذه المواضيع التي تتعلّق بهم ولهم فيها موقف يقترب من الصواب نتيجة الخبرة النظرية والعَمَلية، فإنهم راموا الاستفادة مما يتيحه لهم الدستور (حرية التعبير وحرية الانخراط في جمعيات مهنية كانت أو غير مهنية، لأن المشرّع الدستوري لم يكن يعبث لمّا فرّق بين "الانتماء إلى جمعيات" من دون تحديد كنهها، وبين "الانخراط في الجمعيات المهنية"، ولم يكن يعبث لمّا حضَر على القضاة الانتماء فقط إلى النقابات والأحزاب، فالأصل هو إباحة الانخراط في جميع الكيانات المدنية والاستثناء هو الامتناع عن عضوية الأحزاب والنقابات، وعلى المشاريع المقترحة أن تُراعي هذا الأمر الذي يجد شرحه وتأكيده في المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب)، فانخرطوا في جمعيات تهتم بمنظومة "العدالة" وتولوا فيها مسؤوليات، التي من ضمنها إصدار مواقف في العديد من القضايا التي لا تهم فئة القضاة فقط بل سائر المواطنين، لأن من طبيعة المجتمع المدني التجرّد من الذاتية، وإلا ما الهدف من انتماء القاضي إلى جمعية إذا كان سيظل ممنوعا من الكلام إلا فيما يخص حياته المهنية؟ كما كتبوا مقالات وبحوث علمية تبيّن العَوار الذي تتضمنه مشاريع القوانين التنظيمية للسلطة القضائية، رغبة منهم في تجويدها وتنبيه المشرع إلى خطورة ما يُقدِم عليه نتيجة مخالفته للدستور والقوانين الدولية، (وهذا حال مقال ذ. الهيني بعنوان: "فرق الأغلبية البرلمانية وتبعية النيابة العامة لوزير العدل: ألا في الفتنة الدستورية سقطوا؟" الذي يُعبر فيه مواطن - لديه خبرة في الموضوع - عن همومه سواء لأنه مارس مهنة القضاء ويعرف خباياها، وساء لأنه منضوٍ في جمعية مهنية من شأنها رصد حرية القضاة، ومنتسب لجمعية حقوقية تهدف إلى تطوير منظومة العدالة في المغرب، وهو بمقاله هذا لم يتّخذ موقفا سياسيا،لأن انتقاد بعض المواقف في الهيئة التشريعية حاولت الالتفاف عن نتائج الحوار الوطني الذي صُرفت عليه الملايين، واستغرق الكثير من الوقت والسجال، لا يُعتبر موقفا سياسيا إطلاقا ،بل هو موقف وطني بامتياز يتعلق بمصلحة العدالة في بلد يسعى إلى التخلّص من الماضي السلبي، ويسعى إلى وتكريس استقلالية القضاء و يسمُو به على التصنيفات السياسية، فهذا يدخل في باب حرية التعبير والمشاركة في النقاشات كما هو حال كاتب هذه السطور).
ألم يجمع وزير العدل مؤخرا شيوخ القضاة من الرئيس الأول والوكيل العام للملك وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء والمسؤولين القضائيين في برنامح سياسي تلفزي في القناة الوطنية الأولى حول الانتخابات، ألا يشكل ذلك بحق خروجا عن واجب التحفظ وبمثابة رسالة سياسية على أن الوزير السياسي يده الطولى على القضاء لاسيما وأنه صدر بلاغ بشأن جرائم الانتخابات تم توجيه الاتهام خلاله لمنتخبين بأسمائهم في انتهاك لقرينة البراءة؟ ألم يكن السيد الوزير نفسه مؤيدا للحركة التصحيحية لقضاة مصر أيام حكم مبارك؟ ألم يرَ في موقفهم هذا موقفا بطوليا خاصة عندما رفضوا الاشراف على الانتخابات الرئاسية ورفضوا استمرار حالة الطوارئ وعلى رأس هؤلاء الأخوين "مكي" الذي شغل أكبرهما منصب وزير العدل في عهد الرئيس مرسي بينما تولّى شقيه الأصغر منصب نائب الرئيس؟ ألا يعلم من يريد إخراس ألسنة القضاة، أن هؤلاء، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من البشر، "لا يمكنهم أن يَفصلوا أنفسهم عن نموذج القيم الكامن في المجتمع أو في الجماعة التي ينتمون إليها" (ألان سوبيو: الانسان القانوني، ص241).
بناء على كل ذلك، فإن حرية التعبير تضمن للقضاة إبداء رأيهم في كل الأمور المطروحة للنقاش العمومي ما لم تكن مطروحة أمام محاكمهم بصفتهم قضاة موضوع، وهذا هو التمييز الوحيد الذي ينبغي أن يحضر في هذا المستوى، فمثلا لا يمكن لقضاة المحكمة الدستورية أن يكون لهم رأي في الموضوع خارج ما تصدره المحكمة عندما يُعرض عليهم المشروع، كما أن رأي القضاة لا يتّخذ طابعا سياسيا ما لم يواكبه انخراط صاحبه في حزب سياسي، لأن مسألة التمييز بين ما هو سياسي وما هو غير سياسي تبقى مستحيلة، فالأفكار تنتمي لعالم النسبية، وما يبدو بعيدا عن السياسية في نظر البعض قد يراه البعض الآخر من صميم العمل السياسي، فكثيرا ما مُنعت روايات وأعمال أدبية ولوحات فنية بدعوى أنها تحمل أفكارا سياسية، لكن بعد ذلك بعقود أو بقرون تَبيّن أن هذا الأمر مُجحف وأن تلك الأعمال تدخل ضمن دائرة حرية التعبير.
علما أن الاختلاف بين المدارس العلمية لا يقتصر على تحديد الأفعال السياسية من غيرها، بل انصبّ قبل ذلك على السياسة في حد ذاتها، فإذ رأى بعض العلماء أن السياسة "فعل يهدف إلى حسن التدبير والاهتمام بالشأن العام"، فإن البعض الآخر رأى فيها "فن إلهاء الناس عن شؤونهم، أو هي القدرة على خداع المواطنين"، وفي تعاريف علماء الاسلام للسياسة هي "سياسة شؤون الناس ومساعدتهم على النهوض بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، وتحت هذا التحديد يمكن إدخال جميع الأعمال النبيلة في دائرة ممارسة السياسة، فالفقيه في مسجده يَسُوس الناس، والقاضي في محكمته يمارس السياسة، والكاتب في روايته يحرص على توعية الناس ومن تم سَوسهم. لذلك اتجه علماء السياسة إلى الاقتصار على التمييز الضيق للسياسية بما هي انخراط الناس في هيئات سياسية تروم الوصول إلى السلطة وممارسة الاصلاح من فوق، وفي هذا السياق يأتي التمييز بين المجتمع السياسي الذي من سماته الرغبة في الوصول إلى الحكم وبين المجتمع المدني الذي من سماته التوعية والتثقيف والتربية أي أنه يهدف إلى الاصلاح من تحت.
وبالتالي، فإن ما يقوم به بعض القضاة في المغرب يدخل ضمن ما تتيحه لهم المواثيق الدولية، وما يكفله لهم الدستور، ولا يمكن أن يتعرّضوا بموجِب ذلك إلى التأديب أو التوقيف، تحت أي مبرر كان ما داموا قادرين على مزاولة مهامهم، ولا تأثير لمواقفهم وآرائهم على القضايا التي يحكمون فيها، كما لا يمكن أن يخرجهم ذلك عن واجب التحفّظ الذي يليق بهم، ما داموا لا يفشون أسرارا استودِعوها، ولا يُحابُون طرفا ضدا آخر، ولا يناصرون جهة ضد أخرى، ولا يتورطون في قضايا جنائية أو مادية أو أخلاقية تجعلهم عرضة للتشنيع وفقدان الثقة، أما غير ذلك فهو ضمن حرية التعبير بصرف النظر عن التوصيف الذي يعطيه البعض لمضمون هذا التعبير ما لم تؤدي حرية التعبير إلى إلحاق الضرّر بالغير، وهو الشرط الوحيد الذي وضعه فلاسفة الحرية للاستفادة من الحق في التعبير وعلى رأسهم ج. لوك وج.ج روسو واستيوارت ملْ وغيرهم.
ويجدر التنويه إلى أن التجارب المقارنة متقدمة جدا عن ما هو متاح للقضاة في المغرب حتى على المستوى الدستور، فالقضاة في تونس والجزائر القريبتين من المغرب، من حقهم الانخراط في النقابات والدفاع عن مصالحهم وإبداء آرائهم، وتم إحداث "مجلس الدولة" الذي يؤدي دورا مهما في النهوض بالعدالة. وللقضاء في بلدان آخرى صَولات وجولات في قضايا تكتسي طابعا سياسيا في الوهلة الأولى، من قَبيل الدور المزدوج لرئيس مجلس اللوردات البريطاني بصفته رجل سياسة، وبصفته رئيس أعلى للقضاء. ولحماية القضاة في هذا البلد، فإن القانون نص على استمرار القاضي في منصبه مدى الحياة او إلى حين إحالته على التقاعد، وعدم جواز إقصائه بإجراء من السلطة التنفيذية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، ففضلا على أن بعض ولاياتها تعتمد انتخاب قضاة محاكمها بدل تعيينهم، فإن لهؤلاء القضاة أدوارا سياسية ذات فاعلية، فقد اتّخذوا، من خلال المحكمة العليا، موقفا حاسما من مسألة العبيد، وهم اللذين أبطلوا قوانين روزفلت في إطار "الخطة الجديدة"، ووقفوا في وجه الكونجرس والرئيس معا، في مسألة التمييز بين السود البيض في المدارس، وهو التمييز الذي كان معمولا به قانونيا منذ 1896، وأنصفوا الأجانب. ومن القرارات الجرئية التي اتخذها قضاة المحكمة العليا، نجد إقرارهم الحق في الإجهاض، والحق في التنقل والذهاب والعودة، وإقرار حرية الصحافة في قضية فيتنام (راجعه في: عبد الرحمان بدوي، سيرتي الذاتية، ص 244).
ختاما يمكن القول مع أحد أبرز القضاة والمفكرين البريطانين صاحب كتاب "فكر القانون" القاضي "دنيس لويد" إن القانون وديعة في صدور القضاة، لكن هؤلاء ليسوا مستقبلين سلبيّين للقانون، بل يُثبِت التاريخ الحديث والمعاصر أنهم ساهموا بشكل كبير في صياغة قواعده، رغم أن سلطة القضاة على صنع القانون تختلف اختلافا أساسيا عن وظيفة التشريع. بمعنى أنه لا يمكن استغلال مبدأ "واجب التحفظ" للسيطرة على عقول القضاة ولجم ألسنتهم، وجعلهم عبارة عن آلات لأصدار الأحكام، لأنه أكبر خاسر في هذه الظروف هو المجتمع والدولة، إذ لا يمكن لقاض خائف ومرعوب ولا رأي له أن ينتصر لحرية المواطنين ويخدم العادلة التي هي أساس الحكم. فواجب التحفظ ينبغي ألا يتم توسيع مجاله إلى الدرجة التي يصبح فيها سيفًا مسلّطا على حرية تعبير القضاة، وإنما هو مبدأ يجب ألا يتجاوز حدوده المتعارف عليها عالميا، وإلا فإننا سنتوسل مرة أخرى بـ"الخصوصية المتوهّمة" التي لا يُلجأ إليها إلا عندما يطالب الناس بحقوقهم، أما أثناء إلزامهم بالتكاليف فهم والشعوب العالمية على حدٍّ سواء.