بعيدا عن المعية – أي مع – والضدية – أي ضد – في بعديهما الانفعالي، قريبا من النقد الموضوعي على ضوء بعض من مشاهد الفيلم المسربة، تثمينا لمفهوم الإبداع الحقيقي في أعمال سينمائية بكل مقوماته، فليس كل عمل يستحق التصفيق والإشادة مهما كانت طبيعته، فكل الإنتاجات السينمائية تخضع لمرجعيات كتابها ومخرجيها ومنتجيها وأطقمها على اختلاف أدوارها، درءا لتسطيح الفكر النقدي بالمغرب بدعوى مفهوم الإبداع في كافة مستوياته، ليس من السهل تعرية الواقع المعاش بأعمال هكذا، لا تحفر في ثنايا واقعياته ورؤوس محدداته وطيات تجلياته، الواقعية تفترض الحس النقدي وليس الانجرار وراء مظاهرها وانعكاساتها السطحية، تستحضر التأمل الذهني بدل الوقوف عند حدود الاندهاش، من دون تساؤلات عميقة حول الظواهر المعاشة، لم تعد الواقعية الوصفية كافية لبحث أي ظاهرة، وخاصة في عالم تشابكت فيه خيوط اللعبة على اختلاف محدداتها وتجلياتها، من عير المجدي أن نقف على ظواهر بعينها بالقفز على طرح عوامل إشكالياتها في واقعنا المغربي كما يعاش لدى العديد من أفراده وأسره، واقع لا يحجب بالغربال ولا يعلى عليه مهما كانت تصوراتنا له ولكل عوالمه.
كما هو شائع الدعارة ليست غريبة كل الغرابة على بعض من أوساط المجتمع المغربي، كباقي الظواهر، تقض مضجع المغاربة الشرفاء والغيورين على كرامة الوطن والمواطنين، فقد كانت محط أنظار الباحثين الاجتماعيين والمثقفين والإعلاميين والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، فاختلفت وجهات النظر بصددها حسب مستوياتها القائمة، وبحسب دوافعها، إلا أنه لم نلحظ أية مبادرة رسمية للحد منها بشكل أكثر جذرية، لما تتطلبه من إرادة سياسة حقيقية مرتبطة بكل حقول المجتمع، وهنا يأتي الفاعل الثقافي والفني لتعرية الظاهرة وطرح الأسئلة المحايثة لها في أفق استجلاء عناصرها وأنماطها، وطرحها على محك مفهوم الإبداع، خصوصا في مجال الصورة المرئية، من منظور أن فن الصورة المرئية السينمائية لا يحتمل التمويه كثيرا في تقريب الواقع للمشاهد كيف ما كان ومصاحبتها بالحركة والكلمة معا، حيث في هذا النطاق يدخل فيلم " الزين لي فيك " لمخرجه نبيل عيوش، الذي أثار العديد من الرؤى، سواء مع أو ضد، ترجمت بين التنديد به والتشهير ، وبين الترحاب به، بحسب الخلفيات التي تؤطر نظرة كل منا اتجاه عوالم الإنتاج الفني السينمائي وحرية الإبداع الفكري والفني عموما . ليطرح السؤال الجوهري في علاقة الإبداع بفيلم نبيل عيوش هذا من عدمه . على أساس ما إذا تحقق فيه ما يأمله المواطن المغربي من جاذبية لمشاهدته من خلال إثارته لظاهرة تفشت بشكل مثير على سبيل طرحها برؤية نقدية مبدعة تسائل المجتمع المغربي في العمق في علاقاته بكل مجالات حياته المتشابكة والمتداخلة، وذلك من خلال ما تسرب من مشاهد التي شوهدت على اليوتوب .
طبعا من خلال هذه المشاهد، يتضح أن الصور المرئية السينمائية لم تتجاوز ما هو جاهز ومعطى في الواقع المغربي، بلغة لا تخرج عن المألوف، مصاحبة بحركات هي كذلك تشاهد في بعض مسارح الفضاءات العمومية، وحميمية في فضاءات خاصة بممارسة الدعارة، باسم الواقعية قد حاول نبيل عيوش نقل الواقع المرتبط واللصيق بطقوس الدعارة في المغرب، أو في غيره من البلدان الأخرى، حيث لا يمكننا الوقوف على تخوم الإبداع بكل متطلباته ومقوماته الأدبية والسينمائية، وهو ما يناقض ادعاءات من يسير في فلكه، لأنه لا يشكل أية قيمة مضافة في الإبداع السينمائي المغربي، فالمألوف لا يمكنه أن يثير انتباه المشاهد بحكم اعتياديته الفجة، إلا إذا ما طرح في قالب جاذبي في لغته وفي حركاته، وربطه بتصورات تسائل مقومات الوجود الإنساني، خاصة المعني بالظاهرة في حد ذاتها، في ارتباطاتها بحقول أخرى يعيش عليها المجتمع ويشترك في خطوط تماس في مضامينها، السياسية ، التربوية، الثقافية، الاقتصادية، الاجتماعية، الأيديولوجية، الأخلاقية والقيمة.
قد نتحامل على صاحبنا، إذا ما طالبناه بما هو غير قادر على إنتاجه، في ظل شروط غير مهيأة للإبداع السينمائي، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فيتحاشى الدخول في معتركها، إلا أنه من غير المسموح به أن يتم تمرير معالجات ظاهراتية لا تستقيم مع الواقع في شيء، بأساليب فنية غير متشبعة بمقومات الإبداع الحقيقي لا المزيف بديكورات معتادة في اليومي المغربي، ولا تسائل واقعنا بكل آليات المساءلة الفكرية والفنية، انطلاقا من الإيمان بحرية إبداء الرأي والفكر بجرأة الطرح والمعالجة وحنكة فنية مبدعة .
لهذا كان العنوان البارز في إنتاج هذا الفيلم هو جاهزية المعطيات الواقعية من دون إضافة إبداعية، ولم يعمل على الطرح الجذري في إنتاج الظاهرة في علاقاتها بمجالات حيوية تتعلق بأسبابها وفواعلها الأساسية، لأننا لا يمكن فصل الاجتماعي عن السياسي، ولا عن التربوي ولا الاقتصادي ولا الثقافي، فمقومات " الكرامة المواطنة " تتداخل فيها كل هذه العناصر وغيرها، فإذا ما أراد صاحبنا أن يرحب به في مجاله وأن يحقق نجوميته، لا على حساب معالجاته السطحية لظواهر بعينها، ولكن على أرضية فنية إبداعية، فالمجال لا زال خصبا ومفتوحا أمام كل المبادرات الفنية الرائدة ذات الأبعاد القيمية والتاريخية والحضارية، مادام أن الفن هو خزان ذاكرة الأمم والشعوب كباقي المجالات الفكرية والثقافية والعلمية الأخرى، خاصة مع استحضار الصورة المرئية، أما القفز على أحزمة البؤس الاجتماعي بكافة تلا وينه، بتخريجات غير مقنعة، فهذا أمر مرفوض من جانب العقلاء من المجتمع المغربي .
المسألة فيها نظر ، ونحن نقول لمن يريد اعتماد الجرأة في الإبداع السينمائي ، فليذهب إلى طابوهات السياسة والاقتصاد والاجتماع والأيديولوجية ، إلى منابع كل الآفات والشرور والكوارث في بلدنا المغرب ، الذي تنخره مافيات السياسة والاقتصاد وأباطرة الفساد والاستبداد، بدل عرض الأشكال والقشور والبضائع الفنية التي تفتقد إلى الصور الجمالية الإبداعية .