لعل اللافت،وربما المفاجئ أيضا،في مخرجات الاستحقاقات الجماعية والجهوية ل 4 من شنبر هو ،اكتساح حزب العدالة والتنمية لنتائج معظم المدن والحواضر الكبرى بالمملكة، (الدار البيضاء، فاس، طنجة، الرباط ، سلا، مراكش الخ..) ،الأمر الذي يفسح المجال واسعا أمام منتخبي الحزب لترؤس "عموديات" هذه المدن ،التي ظلت - ردحا من الزمن- "محجوزة" لأحزاب ووجوه "عتيدة"،طبعت بأسلوبها الخاص تدبير الشؤون المحلية لهذه المدن ،وبصمت على " نموذجها التنموي"،الذي أبان عن إختلالات جمة ،ظهر بعضها في تقارير المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات ،وتقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية ،ناهيك عن تقارير منظمات مدنية ،مثلما كانت- أي الإختلالات- محل استياء الرأي العام المحلي والوطني على حد سواء ،قبل أن يعمد الناخبون في هذه المدن إلى اهتبال لحظة الانتخابات للثأر من منتخبيهم ،فيما يشبه تصويتا عقابيا قاسيا،أطاح بأحزاب عتيدة ووجوه معروفة في المشهد السياسي والانتخابي المحلي والوطني من عموديات هذه المدن، والتفويض لمرشحي البيجيدي مكانهم في إطار عملية اختيار للمرشحين ديمقراطية،توفرت فيها الحدود الدنيا لمعايير النزاهة والشفافية والحرية في الاختيار ،وهذا يكفي في هذه الظرفية الإنتقالية التي تمر بها الانتخابات في المغرب،لكي تحظى بالقبول والتوافق حول مصداقيتها. . وتشكل نتائج الانتخابات في المدن والحواضر الكبرى تحديدا، أهم متغير تمخضت عنه الاستحقاقات الانتخابية ل 4 من شنبر،وتكمن أهمية هذا المتغير ،باستقراء تداعياته وأبعاده على المشهد السياسي برمته،وتأثير ذلك على مكانة الحزب الفائز بأغلبية نتائجها ضمن الخريطة الحزبية والسياسية محليا ووطنيا ،حاضرا ومستقبلا ،وذلك نظرا للأهمية الإستراتيجية التي تكتسيها هذه المدن الكبرى ، سواء من الناحية الديموغرافيا، أو الاقتصادية أو السياسية ،وتأثير هذه المعطيات في حظوظ ورصيد الحزب الذي يدبر شؤونها ليس -فحسب- على صعيد الانتخابات المحلية ،وإنما أيضا على صعيد الانتخابات التشريعية ،ذلك أن أي نجاح لتجربة البيجيدي في تدبير هذه المدن سينعكس -بالتأكيد- إيجابا على رصيده السياسي والانتخابي ،ويضاعف- من ثم- أسهمه في بورصة الاستحقاقات المقبلة.

ولعل هذه الأهمية التي تحتلها المدن الكبرى هي ما جعل البيجيدي يتمسك بها في مقابل زهده في الجهات ،رغم أنه احتل المرتبة الأولى على صعيد النتائج المتعلقة بها. واللافت أن صعود البيجيدي إلى "عموديات" المدن يتزامن مع بدء تنزيل أوراش الإصلاح المحلي والجهوي ،الهادفة إلى تطوير الديمقراطية المحلية وتعزيز آليات الحكامة الترابية ،بترحيل مزيد من الصلاحيات والآليات والإمكانات من المركز إلى الجماعات والجهات والعمالات والأقاليم ،ووضعها بين يدي المنتخبين لمساعدتهم على تحقيق تعاقداتهم التنموية مع المواطنين ،مما يوفر هامشا واسعا للتدبير الحر والمستقل أمام المنتخبين ،يساعدهم على تنفيذ برامجهم باستقلالية أكبر وحرية أوفر إزاء سلطات الوصاية التي فقدت كثيرا من نفوذها على الجماعات الترابية بمقتضى الإصلاح إياه ،مثلما سيستفيد منتخبو البيجدي من دعم وزرائهم في الحكومة ،بل ومن دعم رئيس الحكومة نفسه ،الذي هو الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
وهكذا نلاحظ أن صعود البيجيدي إلى "عموديات" المدن تحديدا، كما كان صعوده إلى الحكومة ،يقع ضمن سياق إصلاحي شامل وغير مسبوق ،وخاصة على مستوى التدبير المحلي ، حيث يجري التنزيل الدستوري والقانوني لمقتضيات الحكامة الترابية ،ومبادئ التدبير الحر للوحدات المحلية، في أفق تأهيلها للاضطلاع بالأدوار التنموية المنوطة بها .
ولعل هذا من حسن طالع البيجيدي ،الذي تزامن صعوده إلى مؤسسات التدبير المحلي،وخاصة في المدن الكبرى مع هذا الزخم الإصلاحي، غير المسبوق الذي تعرفه المملكة،وخاصة في الشق المحلي والجهوي،وهو ما من شأنه أن يحفز منتخبي البيجيدي على رأس المدن الكبرى في تحقيق اختراق على مستوى تنميتها،والنجاح- ربما- في ما فشل فيه الآخرون. وتشكل الشهور التي تفصلنا عن موعد الإنتخابات التشريعية محكا أوليا لتجربة البيجيدي على رأس المدن الكبرى ،لقياس مدى تأثيرها في تعزيز رصيد الحزب، وزيادة حظوظه في نتائج الإنتخابات التشريعية، ومن ثم الظفر بولاية جديدة على رأس الحكومة.