غزلان بنعمر

كنت قد نشرت على صفحتي بفايسبوك تغريدة بخصوص الإعلان عن وقف إطلاق النار بغزة وما تم اعتباره انتصارا للمقاومة. وقد قام أحد المواقع الإلكترونية بإعادة نشره بعنوان "تحليل: عن أي نصر في غزة يتحدثون؟". وسرعان ما جاءت الردود على نفسه الموقع.

 

قالت التغريدة:

توقف أخيرا إطلاق النار... توقف إطلاق النار بعد مجزرة رهيبة عاشتها غزة لما يقارب الشهرين... توقف إطلاق النار بعد أن هدمت آلة الحرب الصهيونية الفاشية المباني والأبراج والأشجار والأحجار ونكلت بالشيوخ والأطفال والنساء... توقف إطلاق النار وأصدرت حماس بيانا أعلنت فيه الانتصار...

"خاض هذا الشعب البطل مع مقاومته حروباً ثلاثة مع الاحتلال الصهيوني صنع فيها الانتصار، ففي معركة الفرقان كان الانتصار، و(انتصرت غزّة) في حجارة السجيل، واليوم في معركة العصف المأكول (غزّة .. شعبٌ يصنعُ نصرَه)" .

كيف... أينَ... انْسلْلتْ؟
بين عُنْقِ الذّبيح ومِقْصلة الذّابحينْ؟
كيف... ماذا... قُتِلتْ؟
كُنتَ كالآخرينَ، انتهيتَ
ولم تَنْتَهِ المَهزلهْ...

انتصرت غزة في معركة العصف المأكول حتى بمئات الضحايا من الأطفال... أصاب بنوبة غضب حين أسمع تعليقا من حمساوي في جزيرة الإخوان وهو يعلن أن قتلى وضحايا الاعتداأت الإسرائيلية هم من المحظوظين، وهم اليوم في الجنة وقتلى اليهود في النار... حماس تستحق الشكر والتقدير لأنها عجلت بموتهم وعجلت بذهابهم لجنة النعيم، هكذا وبهذه العقلية تخوض حماس أعقد حروب التحرير في عالم اليوم و التي تحولت من حرب تحرير بالآلاف من الضحايا، لحرب العصف المأكول، ومن حرب دولة فلسطين لحرب فتح معبر لإمارة غزة، ومن حرب سياسية تدار بهدف المستقبل والحياة والعيش بسلام لحرب حجارة من سجيل...

أعرفُ،
كان ملكُكَ الوحيدُ ظِلَّ خيمةٍ،
وكان فيها خِرَقٌ،
ومرّةً يكونُ ماءٌ، مرَّةً رغيفٌ،
وكان أطفالك يكبرونْ
في بُرْكةٍ،
لم تَيْأسِ انْتفضْتَ صرتَ الحلمَ والعيونْ
تظهرُ في كوخٍ على الأرْدن أو في غَزَّةٍ والقدْسْ
تقتحمُ الشارعَ وهو مَأتَمٌ تتركه كالعرْسْ
وصوتُك الغامرُ مثلُ بحَرٍ
ودمُكَ النافرُ مثلُ جبلٍ
وحينما تحملك الأرضُ إلى سريرها
تترك للعاشقِ اللاَّحقِ جدولينْ
من دمكَ المسْفوحِ مرَّتينْ...

“إنكم تقاتلون جنودا ربانيين يحبون الموت في سبيل الله، كما تحبون أنتم الحياة، ويتسابقون فيما بينهم من أجل الشهادة، بينما أنتم تفرون خوفا من الموت”... هكذا صرح هنية لجزيرة الإخوان... وبهكذا تصريح يضفي على جنود الاحتلال مسحة إنسانية بحبهم للحياة، ويسم الفلسطنيين بتقديس الموت أو ما يسمونه "الشهادة"...

يا دمًا يتخثّر يجري صحارَى كلامْ
يا دمًا ينسج الفجيعة أو ينسج الظلامْ
إنْقرض!... إنْقرض!...

على عكس النهج الذي تبلور في أواسط الثمانينات في انتفاضة الحجارة، التي وضعت لأول مرة الضمير العالمي الإنساني أمام صورة الطفل الحامل للحجارة وهو يواجه دبابة أو رشاشة... في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي، اهتدى الشعب لطريق الكفاح المدني السلمي ونال تعاطفا عالميا قل نظيره، وبدأ الشعب الفلسطيني يتلمس طريقه للاستقلال، تماما مثلما اهتدى مانديلا، مسترشدا بتجربة غاندي، للمقاومة السلمية. وحين تبنى مانديلا هذا الأسلوب، كانت حركة المقاومة المدنية ومقاومة العنصرية تشق طريقها بقوة نحو ضمائر ووجدان الناس، واضعة الجميع أمام وحشية وهمجية الميز العنصري بقيادة الزعيم التاريخي مارتن لوثر كينغ، لتفرض، بزخم مظاهراتها في المدن الكبرى، على إدارتي كيندي وجونسون وعلى كل مؤسسات التشريع الأمريكي، سن قوانين تدين التمييز وتجرمه... هكذا حول مانديلا قوة الأبارتيد إلى قوة عمياء وجبانة، تماما مثلما حول أطفال فلسطين جنود الاحتلال لجنود منخورين ومعطوبين، وليس غريبا أن تسجل خلال هذه الفترة أكبر الانتحارات في صفوفهم...

وجه يافا طفلٌ
هل الشجَرُ الذابل يزهو؟
هل تَدخل الأرض في صورة عذراء؟
من هناك يرجّ الشرق؟
جاء العصف الجميلُ
ولم يأتِ الخرابُ الجميلُ
صوتٌ شريدٌ...

الأبيات الشعرية من قصيدة "مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف" لأدونيس

إن بعض الردود التي جاءت تفاعلا مع التغريدة، تملي علي إبداء الملاحظات الآتية:

أولا: لم أدع أن التغريدة التي كتبتها على صفحتي بفايسبوك هي مقال تحليلي، هي مجرد خاطرة عبرت عن انطباعات أولية فيما يخص مأساة إنسانية لا يمكنها إلا أن تستنهض ذوي الضمائر الحية، تعمدت أن لا أعبر عنها حتى جرى إعلان وقف إطلاق النار، بعد أن حطت الحرب أوزارها وصار من الممكن الإدلاء بالرأي.

ثانيا: لا نخرس في قضية فلسطين مع انتهاء فصول حرب غزة، إذ فلسطين قضية سياسية وإنسانية عالمية،
فكل إنسان ينشد الحرية ويؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يمكن إلا أن يناصر الفلسطينيين في سعيهم لبناء دولتهم المستقلة كما ارتضوها في مواثيق وإعلانات منظمة التحرير الفلسطنية.

أما بخصوص ما سمي ب "نصر غزة"، فهذا موضوع آخر سنأتي على ذكره في باب تقييم مدلولات النصر التي لا تحسب بالمنطق الحربي فقط، بل تحسب أساسا بمنطق السياسة ونتائجها، الحرب تنتهي سياسة ومكاسب على الأرض كما هو معروف.

ثالثا: أستهجن كثيرا أن يتغير عنوان القضية الفلسطينية من نضال من أجل تحرير "فلسطين"، إلى حروب لا تنتهي بشعار "غزة"، تماما كما حول الإخوان في مصر قضية الديمقراطية لزاوية شارع عنوانها رابعة العدوية، وهم بسذاجتهم السياسية، أو بتمازج السياسة عندهم بالدين وبتغليبهم الطائفة على الوطن، يزدادون عزلة وتهميشا و يرفعون من عدد الضحايا في صفوف الأبرياء الممكور بهم في القضية/الخديعة.

بعد هذه التوضيحات، لنعد الآن لصلب الموضوع، ولنعالج موضوعة الانتصار من عدمه من الزاوية السياسية والحربية أيضا، ولنترك جانبا الإيديولوجيا التي ذكرت في غير سياقها، وإن كان كل ما كتب في بعض الردود ليس إيديولوجيا وكلاما عابرا فقط، بل هو الأوهام والحماسة الفارغة.

أن تعلن حماس النصر من طرف واحد، على الأقل على مستوى السرعة في إصدار البيان، فذلك يعني أنها على عجلة من أمرها لإعادة تثبيت تموقعها من جديد طرفا رئيسيا في القطاع، وأن يعلن خالد، مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، في ندوة صحافية من قطر "أن الحرب الماضية بين حماس وإسرائيل لن تكون الجولة الأخيرة من الصراع بين الجانبين، بل هي محطة نحو الوصول إلى أهداف الحركة"، فكل ذلك يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن حماس ماضية في تثبيت واقع غزة معزولة عن الضفة، وذلك استمرارا لنفس الإستراتيجية الرامية لخلق واقع تجزيئي للقضية الفلسطينية، وعودة لما قبل المصالحة الفلسطينية، وهي من الأهداف الكبرى لإسرائيل.

ولرفع اللبس وتعميق التوضيح، إعلان حماس النصر عبر بيان وتعمدها ربط المقاومة والصمود الذي صاحب العدوان الذي قام به المحتل الإسرائيلي بها دون غيرها من باقي فصائل المقاومة، يعكس جانبا مهما من عقلية هذا الفصيل الذي جر الكثير من المتاعب على قضية فلسطين، ذلك أنه ليس صحيحا أن حماس هي وحدها من كانت تلقي الصواريخ وتواجه إسرائيل، المعركة خاضتها كل الفصائل الفلسطينية المتواجدة بغزة.

إن إصرار حماس على احتكار الحديث باسم القضية الفلسطينية، وتعمدها حصر الصراع وكأنه صراع حماس مع إسرائيل في بقعة ضيقة هي غزة، يعكس أولوية هاجس انتمائها للإخوان المسلمين أكثر من اهتمامها بتحرير كل الأراضي المحتلة، ولذلك الإصرار على تغليب الطابع الديني في إدارة المعركة، بل إن خروج قادتها للإعلان عبر كل الصيغ أنهم هم من جروا إسرائيل لهذه الحرب، أفقد الفلسطينيين كثيرا من الدعم والمساندة، واستغلته إسرائيل لتقدم نفسها طيلة فصول العدوان على أنها هي المعتدى عليها، وأنها هي من توجد في حالة الدفاع عن النفس ، بل الأخطر أن خطاب حماس الإعلامي الذي يتحدث عن الرغبة الجامحة لدى الفلسطينيين في الشهادة وحبهم لها، الذي يقابله حب الحياة لدى جنود إسرائيل، أظهر الفلسطينيين، والمدنيين منهم على وجه التحديد، كأنهم غير مكترثين تماما لما يتعرضون له من همجية في التقتيل والتنكيل.

في مجريات المفاوضة من أجل وقف إطلاق النار، جرت حماس عليها غضب كل فصائل المقاومة الأخرى، حين ظهر واضحا انحيازها أكثر لنيل رضا قطر وتركيا أكثر من سعيها لوقف إطلاق النار وتجنيب الشعب الفلسطيني المزيد من الضحايا والتنكيل الإسرائيلي. كان انشغال حماس بتهميش دور مصر وتبخيسه أولوية، رغم علمها القوي أنه بدون مصر لا يمكن التقدم نهائيا خطوة في اتجاه وقف إطلاق النار، بغض النظر عن موقفنا من الدور السلبي والمتواطئ في أحيان كثيرة لمصر مع إسرائيل. كانت حماس تقدم الدليل للإخوان في مصر أنها على العهد، وتقدم الدليل لتركيا وقطر أنها على العهد، وذلك بمنطق مخالف لمجريات المعركة وسياق التحالف فيها، فعرضت بذلك مفاوضات وقف إطلاق النار في أكثر من مناسبة للإجهاض.

في مجريات الحرب، واقعيا إسرائيل متفوقة عسكريا بمسافة ضوئية على كل الفصائل الفلسطينية، متفوقة في الجو ومتفوقة من جهة البحر والأهم أنها تجري المعركة بإجماع قل نظيره، إذ اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي في بداية الحرب كانت تمنح نتانياهو أكثر من 80 في المائة من مساندة الإسرائيلين.
في مجريات الحرب، إسرائيل لم تقم فقط بتدمير المباني وهدم الطرق وتخريب البنى التحتية وإحداث خراب بيئي ستعاني منه غزة لعشرات السنين، بل إنها مارست تقتيلا للمدنيين يرقى بكل المقاييس لجرائم حرب حقيقية. هذا من حيث المبدأ، أما من حيث التقييم الموضوعي العقلاني، فإن فاتورة الضحايا التي قدمها شعب فلسطين لا يوازيها نهائيا ما كانت تطالب به حماس متمثلا في فتح معبر رفح، وكأن هم الفلسطنيين الأول والأخير أن يجري فك الحصار على حماس وفك العزلة التي كانت تعيشها والتي اضطرتها أن تجري لأول مرة مفاوضات عقلانية مع عباس لفتح مسار المصالحة الوطنية. حماس اعتبرت الحرب فرصتها لإعادة الشعبية لها ولفك عزلتها التي جاءت نتيجة تحالفاتها الخاطئة مع قطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين، فضربت كل نتائج ومكاسب المصالحة الوطنية، وعادت لتكبرها وعنادها البنيوي الذي يطبع سلوك جماعة الإخوان المسلمين.

في التغريدة التي سبق ونشرتها، دافعت عن خيار المقاومة المدنية، وقدمت أمثلة من تجربة مناهضة الأبارتيد في جنوب إفريقيا، ومن تجربة غاندي في مقاومة الاستعمار البريطاني، ومن حركة المقاومة المدنية التي قادها لوثر كينغ وفرضت على مؤسسات التشريع الأمريكي سن قوانين تجرم الميز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية، بل الأهم من صلب تجربة الشعب الفلسطيني في بداية الثمانينات حين اقتحم هذا الشعب طريق الكفاح المدني وأبدع انتفاضة أطفال الحجارة التي أدت لسلسلة من الانتحارات لجنود الاحتلال ووضعت الضمير العالمي أمام مفارقة الدبابة والرشاش الثقيل في مواجهة أطفال يحملون الحصى والحجارة، وهي الانتفاضة التي مكنت ياسر عرفات من خوض مفاوضات حققت مجموعة من المكتسبات، وكان بالإمكان أن تحقق أكثر لو جرى رعاية هذه الانتفاضة وتطوير فعاليتها. لقد أربك هذا الأسلوب الجديد القيادة الإسرائيلية يومها، وبلغ الخنق بهم يومها حد أن اسحاق رابين ردد أن كل من سيقذف جنوده بالحجارة ستكسر يده ورجله، بل خلق اختراقا حقيقيا حتى داخل الرأي العام الإسرائيلي وأضعف المتطرفين فيه.

مهدت هذه الانتفاضة الطريق للوساطة النرويجية فيما سمي باتفاقيات أوسلو التي تم فيها الإعلان عن حل الدولتين، وكان من بين نتائجها إجراء انتخابات فتمكنت حماس على أساسها من تشكيل حكومة. صحيح أن إسرائيل لم تكن جادة في هذه المفاوضات وظلت تماطل، إلا أن العامل الداخلي وانقسام الفلسطنيين والدور السلبي الدي لعبته حماس في تقويض مؤسسة منظمة التحرير الفلسطيني، وانشغال فتح بفتات السلطة وعجرفة حماس بحكومة خاضت بموجبها " معركة " عزل غزة، كلها عوامل كانت سببا في تراجع فعاليات هذه الانتفاضة الدلة في حياة شعب قدم ولازال يقدم كثيرا من التضحيات التي تفوق الوصف، لكنها تضحيات ينبغي أن تتوج بانعتاقه وتوقيف معاناته وآلامه التي يتغذى عليها الفكر الظلامي الانغلاقي.

مجريات الحرب الأخيرة تعطي درسا وتعيد التأكيد عليه، قضية تحرر شعب فلسطين وانعتاقه من الاحتلال الإسرائيلي، تحتل فيها معركة كسب الرأي العام الدولي وتوسع الرافضين لاستمرار عنجهية الكيان الصهيوني أولوية وتحتاج لذكاء في إدارة المعركة، تحتاج الخروج من الورطة التي وضعت حماس فيها الشعب الفلسطيني وكأن معركته مع الاحتلال الصهيوني معركة دينية. قدر الشعب الفلسطيني أن يخوض معركة تحرره بإبداع وبتفوق أخلاقي وبسمو الحق والعدل، والأهم بسن كفاح مدني شعبي يجبر إسرائيل على القبول فعليا بحل الدولتين، ويجبر الرأي العام العالمي على الضغط لإنهاء احتلال بغيض واضطهاد شعب يريد أن يعيش كباقي شعوب العالم بسلام.