كتب الصديق الباحث خالد السلكي، وفي إطار من "شرف المنفى" بأمريكا، وعلى جداره بالفايسبوك، "قال ريغن: "أمريكا فكرة وليست جغرافيا". وأضاف: "أنا عاشق الفكرة الأمريكية.. أما الواقع ــ كل الواقع، في كل العالم ــ فلم أعد بحاجة إليه!!!". والشق الثاني من الكلام لا يخلو من أهمية بالغة، وقد يظهر لدارس "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي" و"سياسات الهجرة"... كلاما صائبا ومحكوما بسياق جدير بالتأكيد على المكانة التي تحظى بها الهجرة على مستوى تعريف الأمة في أمريكا وعلى مستوى استيعاب الأجناس والأعراق والثقافات... عكس فرنسا التي يمكن اختراقها اقتصاديا لا ثقافيا، إضافة إلى ما تشترطه هذه الأخيرة من "تماثل" (Assimilation) و"مصفاة إثنية" و"سياسية دروينية"...على مستوى التعاطي مع المهاجرين (Indésirables) وعلى مستوى "هندسة سياسة الهجرة. وهذا نقاش آخر؟

في الحق إن ما أردت إشراك القارئ فيه، بخصوص فكرة صديقنا، الأكاديمي الرصين للمناسبة، هو فكرة "الفكرة" ذاتها: "أمريكا فكرة". وفي هذا الصدد أود أن أذكر بكتاب إدوارد سعيد "مسألة فلسطين" الذي يبدو لي، وبعد اطلاع عليه في الترجمة الفرنسية الأنيقة، كتابا حول فلسطين باعتبارها "فكرة" وليس جغرافيا. فكرة في حاجة إلى من يدافع عنها، لكن في إطار فهم ثقافي عالمي موسّع ومن خلال إشراك أجناس التعبير والتمثيل... ومن خلال إشراك الحالات الإنسانية في العالم ككل. ولعل هذا ما جعل الكتاب لا يخلو من أهمية تاريخية كبيرة لا تتوفر في كتب أصرّت على التعاطي للموضوع من منطلقات تاريخية خالصة ومحدّدة.

والغاية من كل ما سبق هي أن أخلص إلى كتاب "فكرة الهند" الذي قرأته مؤخرا، وبافتتان كبير، وبالرغم من نتوءات الترجمة التي أدّت الرسالة في آخر المطاف. والكتاب لصاحبه البروفيسور الهندي (المتخصّص في العلوم السياسة) سولين خيلناني ومن ترجمة مجيب الرحمان (المركز الثقافي الهندي، مشروع كلمة، 2009). ويدور الكتاب حول الحياة العامة للهند في القرن العشرين، ومحوره التاريخ المضطرب والمعقد والحاسم للهند منذ إحرازها الاستقلال في عام 1947. ومن أهداف تأليف الكتاب تمحيص الفكرة التي وفّـرت دعائم فكرية وعملية للهند الحديثة، وأتاحت لها هويتها المتميزة وأبقتها في نصف القرن الماضي، خلافا لكثير من الدول الحديثة، الدولة الديمقراطية والمتسامحة والمنفتحة فكريا.

ولعل أهم ما في الكتاب، وبالنسبة لنا نحن في المغرب، هو ارتكازه على المقال الكثيف والمضغوط جنبا إلى جنبٍ مع شقه المنهاجي الغالب والمضمر الذي يجعلنا نتعلم كيف نطرح ألغاما من مثل الهوية والسياسة والقومية والطائفية والتاريخ واستعمالات التاريخ... وكيف نتعامل مع الرموز المؤسِّسة للهند وكيف نجدّد النظرة إليها في سياقنا الحاضر.

ما أحوجنا إلى كتابات من هذا النوع حتى نرقى بالمغرب إلى مصاف "الفكرة"؛ وذلك بدلا من الكتابات الرائجة، والسخيفة في أحيان وأحيان كثيرة، وعلى النحو الذي لا يزيدنا إلا "تعوّقا" و"تخشُّـبا"... و"عداءً".