عبد الله أفتات

من المعلوم أن للمخزن المغربي حقنا تتفاوت فعالياتها حسب الظروف والأحوال، وحسب طبيعة ونوعية الشخصيات المستهدفة والتنظيمات المعارضة خاصة الإسلامية منها واليسارية، فهذا قد تنفع معه حقنة عادية، وذاك قد لا تناسبه إلا الحقن المتوسطة، وذلك لا تصلح له إلا القوية ذات الجرعات الزائدة، لكنه لحد الآن لا يستعمل إلا النوع الأول الذي يؤدي دوره كما يجب وزيادة، فكل من دخل تحت ظله يقول بعمله كما يجب .

وكنا نعتقد أن المخزن سيجد صعوبة في ترويض "صقور" الحزب الإسلامي الذي وصل إلى الحكومة على قفا الربيع الديمقراطي الذي هب على المغرب منذ بداية سنة 2011، وكنا نعتقد أنه سيلجأ إلى النوع الثاني أو الثالث من الجرعات مع من وقف ذات يوم في البرلمان المغربي أيام المعارضة مطالبا نزار البركة الوزير أنذاك المكلف بالشؤون المالية بتقديم تفاصيل ميزانية القصر الملكي بعد أن عرضها الوزير الاستقلالي في عنوان واحد تحت تصفيقات الحاضرين، وكنا نعتقد أن الحقن التي يتوفر عليها المخزن لن تكفيه مع الأسماء التي كانت تطالب بالإصلاح الدستور بشكل يتماهى مع مطالب الأحزاب الجذرية المغربية المعارضة .
وعلى الأقل كنا نقدر أن عملية "الترويض" ستطول وستأخذ وقتا بالنظر للعناوين الكبيرة التي كان يقدمها هؤلاء القادة على الساحة الإعلامية على الأقل، وسيلجأ المخزن إلى كل "المدخلات" و"المخرجات" و"الحيل" لدفعا وجعلها كباقي يا أيها من تم استقطابهم، ولم نكن نتصور أن هؤلاء الذين يطلق عليهم مجازا ب"صقور" العدالة والتنمية سينهارون بهذه البساطة وسينبطحون بهذا الشكل المريب، وكان تقديرنا ـ ونعترف أننا أحسن الظن زيادة على اللزوم ـ في أحسن أحواله أن تصل درجة تنازل هؤلاء إلى فقط محاولة الدفاع عن اختيارات الدولة وإيجاد التخريجات المناسبة لها، ولم نكن نتصور أنهم سيهاجمون كل من خالفهم وكل من عارض الحكم حتى لو لم يطلب منهم .

ولا أعتقد أن أحدا ما طلب من الدكتور محمد نجيب بوليف أن يهاجم مغني الحراك معاد بلغوات المعروف ب"الحاقد" المعتقل على خلفية ملف مضحك "المتاجرة في بطائق مباراة في السوق السوداء"، بل ربما حاول أن يقدم حسن النية "باش ينعاس مع الحية"، وإليكم مقتطفات مما قاله هذا الوزير المسكين الذي استبق القضاء كعادة قادة العدالة والتنمية في حق الحاقد: "فهذا مثلا، مُناضِلٌ من أصحاب 20 فبراير، تضامنت معه الأكثرية لما وُِضِعَ في السجن لأسباب تعود ل"نضاليته" هاته...لكن بعد فترة من خروجه من السجن، ضُبِطَ وهو يبيع بطائق مباراة كروية في السوق السوداء، وكان في حالة غير طبيعية (...) وتهجم على رجال الأمن ...ولما ضبط تحرك العديد لنصرته ودعمه، نصرة ماذا؟ دعم ماذا؟ هنا أصبح مواطنا عاديا، ولن تشفع له "نضاليته" في 20 فبراير..أو ليس شعار 20 فبراير "كلنا ضد الفساد" كذا؟..".

أولا نذكر السيد الوزير أننا نشك في كل ما يصدر عن الدولة الحاكمة التي عودتنا وعبر مدة طويلة على مواجهة المعارضين والمخالفين بهكذا اتهامات في محاولة للضغط عليهم، وبالتالي بالنسبة إلينا ما جرى لهذا المغني الشاب يأتي في سياق ما بعد التراجعات التي يشهدها المغرب بعدما ضعف وهج الحراك الذي أوصل بوليف ورفاقه إلى الكراسي الحكومية.

ثانيا لنفترض أن التهمة صحيحة وأن معاد كان يبيع بطائق مباراة كروية في السوق السوداء، فهل انتهيتم من كل ملفات الفساد الكبرى التي تنخر البلد ولم يبقى لكم إلا هذا الشاب ؟، فكيف لكم أن تواجهوا مثل هكذا فساد(بيع البطائق في السوق السوداء) وأنتم تجالسون فساد أكبر ضمن فريقكم الحكومي ؟ بل

أكثر من هذا (الفقيه بوليف) فإنه تمت محاكمة من فضح الفاسدين وتمت ترقية من نهب أموال بين مال المسلمين، فهل هذا يستقيم يا دكتور .
ثالثا كلام (المصوري) نسبة إلى القبيلة التي ينتمي إليها بوليف (بني مصوار) يفيد الإدانة والحال أن الملف لا زال بيد القضاء إذا سلمنا باستقلاليته في مثل هاته القضايا، وهي جريمة يعاقب عليها القانون، وضرب الوزير بعرض الحائط "قرينة البراءة" و "أن المتهم بريء إلى أن تثبث إدانته"؟، وتساوى في هذا مع "الصحف الصفراء" التي تدين الأبرياء قبل تقديمهم للقضاء.

كان على الأقل منكم يا وزير أن تصمتوا فالصمت في مثل هذه الحالات "حكمة" أما الخروج بتلك الطريقة فإنها لم تكن موفقة بجميع المقاييس، فعوض الدفاع عن المضطهدين في هذا البلد أصبحتم للأسف بوقا للفساد والاستبداد، تجالسون وزير المالية السابق الذي استفاد من علاوات غير قانونية لسنوات، ووصفه رئيسك في الحكومة يوم تحلل لسانه بنضالات الشباب ب"الفاسد يا مولاي"، وتهاجمون في المقابل "شاب" كسب دراهم إن كان الأمر صحيحا، فمن له الأولوية يا باحث الاقتصاد ؟ أما تعايشكم مع الفساد الذي لا زال يقض مضاجع العديد من المجالات فتلك قصة ومصيبة أخرى، ويبقى السؤال المطروح، ألهذه الدرجة فعلت الحقن المخزنية فعلتها فيكم ؟ .
[email protected]