زلزال إعلامي كبير، ذلك الذي أحدثته صحافة التحقيقات الدولية، وهي تكشف عن أخطر وأضخم عمليات تهريب الأموال والثروات من قبل أغنياء العالم، وبشكل عابر لكل القارات، وقاطع لكل الأجناس والقوميات.
شخصيات عالمية مرموقة نافذة، من نخبة المال والحكم والسياسة تتهافت على تكديس وتجميع وتكنيز جبال من الأموال، ثم تتوارى في جنح الظلام، بعيدا عن أنظمتها القانونية والسياسية، لتخفي تلك الجبال، وتتخفى من ورائها بأسماء مستعارة وأشكال وهمية، وكأنما تخفي أثار جريمة، وتدفن أجسام جريمة.
آلاف من الشركات الوهمية، فضحتها أوراق بنما، في تسريب مليوني غير مسبوق، سلط الأضواء الكاشفة بل الحارقة، على قوافل تهريب القناطير المقنطرة من ملايير الملايير، المضللة الهوية والمصدر والعنوان.
كل ذلك يجري بدون حسيب ولا رقيب، في ظل النظام المالي والاقتصادي العالمي السائد، الذي يتبنى الشفافية والمصداقية والنزاهة، والتدقيق في مصدر الأموال ومصبها، ومكافحة تبييض المشبوه منها. غير أن الواقع عرى عن وهمية هذه القيم في البنية التطبيقية لهذا النظام المالي والاقتصادي العالمي.
لقد كشفت أوراق بنما، على أن النظام المالي والاقتصادي العالمي المتحكم في المنظومة الدولية الراهنة، والذي هو من صلب النظام الرأسمالي الغربي، أصبح أوهى من بيت العنكبوت، لأن الدورة المالية العالمية قائمة على رواج الأوهام بالحسابات الوهمية، وبالأرصدة المشبوهة المكتسبة من الطرائق المشبوهة.
أي مستقبل وأي استقرار لهذا النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، الذي يقسم العالم إلى قمة من الدول الغربية الديناصورية الاستكبارية المترفة، وإلى قاعدة عريضة من الدول والمجتمعات الفقيرة والهزيلة والمستعبدة من طرف هذا الغرب الديناصوري، الذي يضمن وجوده وتضخمه وترفه من سرقة واغتصاب ثروات العالم المستعبد، المذخورة في باطن الأرض، أو البادية واليانعة والمشيدة على ظهرها، وفي البر والبحر.
ثم لا يكتفي ولا يرتوي هذا العالم الديناصوري من هذه السرقة فقط، بل إنه لا يفتأ يثير الحروب والاقتتالات، بين تلك الدول المستعبدة وبين شعوبها وطوائفها وإثنياتها، لكي تلغ مصانع السلاح من أنهار دماء الشعوب المقتتلة، ولكي تبني دول الغرب رفاه شعوبها من جماجم وأشلاء شعوب العالم المستعبد.
ثم تفتح هذه الدول الديناصورية المفترسة أبناكها للثروات المهربة من البلاد المستعبدة، من طرف الذين اعتلوا قمم المجتمعات بالعلو والعتو والفساد، واكتسبوا الثراء العريض بالوسائل المشبوهة الملتوية.
النظام المالي والاقتصادي العالمي حين ابتكر ما سمي بالملاذات الضريبية، أو الجنان الضريبية، إنما ابتكر آلية من آليات الفساد والإفساد، يخرب من خلالها اقتصادات الدول التي تنضوي جميعا في منظومة الأمم المتحدة، المنظومة التي قامت على أساس الحفاظ على السلام العالمي، وعلى العدالة والديموقراطية وحقوق الإنسان. فماذا يتبقى إذن من هذه القيم، إذا كان العالم يتفرج بل يزكي استنزاف الأنظمة الاقتصادية للدول، ويشجع على جرائم نهب أموال الشعوب، ويغطي على تخريب المجتمعات من الداخل.
إن النظام المالي والاقتصادي العالمي الذي تقوده الرأسمالية الغربية، حول أغنياء العالم وخصوصا العالم الفقير وفي القلب منه العالم العربي، إلى طابور خدم من نقلة الأموال الخاصة والعامة، وإلى أقنان ورقيق من حمالي هذه الثروات إلى أبناك النظام الرأسمالي الغربي، لتستفيد منه جنة الغرب وحدها، ولتعيش منه شعوب العالم الغربي وحدها الرفاه والترف والنعيم الفاحش، بينما تتضور الشعوب التي نهبت منها تلك الأموال، من كوارث الجوع والمرض والجهل والتشرد والتعاسة الأبدية، وفوق ذلك كله، تتلظى تلك الشعوب في سعير القهر والقمع والاحتقار.
وإن فضيحة تسريبات بنما ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة المهولة، فما خفي كان أعظم، وسواء كان هذا الانفضاح عفويا وطبيعيا، لأن قانون الطبيعة مثلما يخشى الفراغ فإنه يخشى الخفاء، أو كان عملية مدبرة من المتحكمين في رقبة الاقتصاد العالمي، بل الضالعين في النهب العالمي، من أجل خلخلة معادلة دولية ما، وتطويق قوى مالية وعسكرية ما في إطار صراع الديناصورات، سواء كان الأمر كذلك أو غيره، فإنه يبرهن بالملموس على أن الأزمة مستفحلة في عمق النظام الرأسمالي ، وأن النظام المالي العالمي يترنح نحو السقوط.
ومن قبل سقط النظام الاقتصادي الاشتراكي العالمي، وتفككت معه منظومة المعسكر الشرقي، بسقوط القيم التي بنيت عليه، والخديعة التي وقعت فيها الشعوب التي كانت غارقة وحدها في شراكة الفقر والقهر والقمع والصمت والعبودية، بينما قادة ونخب الأحزاب الشيوعية الحاكمة وأسرها وزبائنها من النومونكلاتيرا الحزبية ترفل في البذخ والنعيم والحياة الليبرالية .
واليوم، تبدو واضحة في الأفق، نذر انهيار النظام الرأسمالي الغربي، لسقوط القيم الإنسانية المؤسسة له، وتحوله إلى نظام للجشع الغربي يستنزف اقتصاديات الدول التابعة الفقيرة، ويتستر على جرائم الخونة والغصبة والفسدة والنهابين.

*عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة.