محمد الخضري

كثيرا ما يلجأ الساسة وأهل السياسة لاستعمال مفاهيم فضفاضة سواء لاستمالة الناس و من أجل دغدغة مشاعيرهم ، أو من أجل وصف خصومهم السياسيين وكل من يخالفهم الرأي والرؤية. وكمثال على ذلك، تطفو مفردات ” الوطنية ” و ” القومية ” و” العدمية ” على السطح، فيتم استعمالها بشكل جزافي لمدح الموافقين أو لضرب الخصوم المخالفين .

الوطنية كلمة مشتقة من الوطن، والوطن أرض وشعب، وعندما يتم اختزال الوطن في شخص أو حزب واحد أو جماعة واحدة ، نتحدث هنا عن ” الوثنية “.فالوطنية يقصد بها حب الوطن والدفاع عنه، وهذا يقتضي الدفاع عن الأرض ووحدتها وعن كرامة الشعب وحريته دون تمييز،فالوطن أكبر من أن يختزل في شخص أو جماعة، ومن يفكر في ذلك، فهو أكبر عدو لهذا الوطن……

الوطنية ليست علما في المناسبات يرفع، وليست أموالا تكدس وتجمع، وليست كلمات للسلطان تسمع، أن تكون وطنيا يعني أن لا تنهب خيراته وخيرات المواطنين،وتفضح كل من سولت له نفسه الإقتراب منها، وأن تخدمهم بإخلاص دون انتظار مقابل ، فالمصلحة العليا للوطن توجد في إطعام بطون الجائعين ،وإيواء المتشردين ، وتشغيل الشباب، وتعليم الأطفال، وتطبيب المرضى، وتوفير الخدمات للمواطنين بكل عدل و مساواة…

ليس من الوطنية في شيء مثلا، أن تصيح بأعلى صوتك” الصحراء مغربية ولن نسمح في حبة رمل منها ” وأنت تحتل وتسرق وتفوت أراضي الشعب في المناطق الأخرى من وطننا العزيز كما يفعل البرلمانيون والسياسيون وأصحاب النفوذ…

أحيانا، ولتسفيه من يخالفهم الرأي أو ينحرف عن طريقتهم، يضطر الساسة والسياسيون لتسفيه وتخوين هؤلاء الخارجين عن سياسة ” الإجماع ” المزعوم، وغالبا ما يتم نعتهم ” بالعدميين ” الذين يريدون الفتنة لهذا البلد الآمن المطمئن، وحتى يتم تخوينهم أكثر، يتم رميهم بأنهم يخدمون أجندة خارجية لدول تعادي الوطن. وهنا تصبح ” العدمية ” وسيلة لنزع الوطنية عن شخص معارض لسياسة الدولة.

هؤلاء العدميون كما يحب البعض تسميتهم ، واعتمادا على شدة احتكاكي بهم، يرفضون عزف أغنية ” العام زين ” على وتر ” الإجماع الوطني “، ويرفضون الدخول في قالب سياسي يروا فيه تدجينا لهم، هم يقترحون حلولا جذرية لمشاكل الوطن ولا يرضون بأنصاف الحلول، يعالجون المشاكل بعمق وينتقدون الجميع دون استثناء…يرفضون اختزال الوطن في شخص معين وشعارهم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بين جميع أبناء الوطن، هم يرون بأن الوطن سيكون بخير عندما ينعم المواطنون بكرامتهم وبعيش كريم .

هؤلاء يمارسون السياسة في المواقع الالكترونية ويرفضون الانضمام للأحزاب ” الوطنية ” وعيا بأنها مدجنة لا يهمها إلا اقتسام الكعكة والريع والامتيازات، هم شباب وشابات فقدوا الأمل في العمل السياسي الرسمي الذي فاحت رائحة فساده وانبطاحه، بل ويرون أن إصلاح هذه الدكاكين الانتخابية من سابع المستحيلات. ويمكن لدائرة ” العدميين ” أن تتسع لتشمل الجمعيات الحقوقية التي تفضح انتهاكات حقوق الانسان والأحزاب التي ترفض الدخول في اللعبة السياسية ” المخزنية ” وكل هؤلاء تزعم الدولة أنهم يهددون استقرار الوطن ويشوهون صورته في الخارج.

العدمية إذن في قاموس الساسة وأهل السياسة تعني أولئك الذي يرفضون التغني بوطنية زائفة، وطنية التطبيل والتصفيق والتزمير، وطنية ” العام زين ” ، وطنية ” الملاحم ” و ” الأناشيد “، هم باختصار ” الخارجون عن القطيع ” ولا علاقة لها بالعدم والسلبية.