يبدو أن فرنسا لم تجد بعد طريقة ناجعة للاستيقاظ من الكوابيس الإرهابية، فبعد حوالي 10 أشهر على واقعة "شارلي ايبدو" الشهيرة والتي راح ضحيتها 12 قتيلا و 11 جريحا في يناير الماضي، هاهي فرنسا تتعرض من جديد وتقريبا بنفس السيناريو لضربة إرهابية جديدة ولكن هذه المرة بقوة أكبر ليصل عدد الضحايا إلى حدود ساعة كتابة هذه الأسطر إلى أكثر من 150 قتيلا ومئات الجرحى، عدة أسئلة تطرح نفسها بقوة في ظل الأحداث المتوالية التي تشهدها فرنسا في الآونة الأخيرة، كيف تمكن هؤلاء الإرهابيون من تنفيذ عملياتهم بهذه السهولة ؟ لماذا فرنسا بالذات ؟ أليس غريبا أن تتلقى دولة كفرنسا ضربتين موجعتين في فترة زمنية محدودة ؟
الإجابة على الأسئلة أعلاه تضعنا أمام احتمالات وسيناريوهات مختلفة، أولها أن الجهاز ألاستخباراتي الفرنسي ضعيف ولا يستطيع حماية المواطنين الفرنسيين من خطر الارهاب الذي تعتبر محاربته من أولويات كل دول العالم. أما السيناريو الثاني والذي يفرض نفسه بقوة فهو إمكانية أن تكون الاستخبارات الفرنسية مخترقة من الداخل أو بعبارة أخرى أن تكون عناصر موالية لجهات إرهابية مزروعة داخل الاستخبارات الفرنسية، الشيء الذي يسهل على منفذي الهجمات استغلال الثغرات التي يحصلون عليها من الداخل وهو احتمال قوي ومنطقي إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم هجمات الأمس التي اعتبرها المحللون الأعنف في تاريخ فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية والتي لا يمكن إلى حد بعيد أن تتم بهذا القدر من الفاعلية إلا إذا كانت لديك أيادي خفية في مراكز حساسة من أمن الدولة، أضف إلى ذلك أن نوعية الأسلحة المستعملة في الاعتداءات ليس من السهل الحصول عليها. الاحتمال الثالث هو أن تكون الحكومة الفرنسية قد ارتكبت خطأ فادحا بعدم إعارة الاهتمام الكافي لمحاربة الإرهاب بفرنسا وسلامة المواطنين بدليل أن السلطات الفرنسية تلقت قبل يوم من لقاء المنتخبين الألماني والفرنسي إنذارا يفيد وجود قنبلة داخل مقر أبطال العالم، الشيء الذي أرغم أصدقاء مسعود أوزيل على تغيير مقر إقامتهم، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الأجهزة الأمنية كانت على دراية بالتهديدات الإرهابية قبل حدوثها فكيف يعقل أن تسمح بتواجد هذا العدد الهائل من الناس قرب الملعب والأماكن العمومية دون اتخاذ الإجراءات الصارمة لضمان سلامتهم، فعلى سبيل المثال كانت قاعة "باناكلان" للمؤتمرات مسرحا لدماء الأبرياء وحسب المراسل الإذاعي الفرنسي "جوليان بيرس" الذي كان شاهدا على الواقعة والذي قال في تصريحه لشبكة "السي إن إن" الأمريكية أن مستوى الأمن داخل المسرح كان ضعيفا جدا.
الحكومة الفرنسية لا يمكن أن تكون بهذه الدرجة من الغباء، فالاكتفاء بإلقاء اللوم على الإرهابيين لن يجدي نفعا ولن يغير من الواقع شيئا، بل وجب التأكد من عذرية الأجهزة الحساسة التي تقف وراء أمن وسلامة الفرنسيين وإلا كان المستقبل أسودا أكثر مما هو عليه الآن ولفرنسا وغيرها في التاريخ عبر وأمثلة كثيرة، لقد آن الأوان أن تقتاد فرنسا بالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والعديد من الدول الأخرى التي استفادت من أخطائها كي لا تقع نفس الكارثة كل وقت وحين، فأن تلدغ من نفس الحجر مرتين لا يمكن أن يكون سببه شيء آخر غير الغباء.
المهووسون بنظرية "المؤامرة" يفضلون الانسياق وراء التحليل السطحي، السهل و المتمثل في أن الهجمات مخططات داخلية بغرض خلق مبررات لغزو الدول العربية، أقول لهؤلاء أن هذا السيناريو ترادفه في المعجم العربي كلمة "مستحيل" بحكم أن غزو الدول العربية لم يعد يحتاج إلى عذر، فالشرق الأوسط صار مثل بيت للدعارة مفتوحة أبوابه للغرب متى ما شاء النكاح.