قبل هجمات باريس التي ادت الى مقتل 130 شخصا واعلنت “الدولة الاسلامية” مسؤوليتها عن تنفيذها، كانت سياسة الحكومة الفرنسية تتسم بالتشدد تجاه الملف السوري، والاكثر مطالبة برحيل الرئيس بشار الاسد، وحصدت من جراء هذا التشدد الكثير من عقود التسلح وقعتها مع دول خليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية التي اعتقدت ان فرنسا يمكن ان تكون حليفا بديلا للولايات المتحدة ذات الموقف المرتبك، وغير الحاسم.

بعد التفجيرات المذكورة آنفا، تغير الموقف الفرنسي مع تغير اولويات فرنسا في سورية، وتصدر مكافحة “الدولة الاسلامية” قمتها، وانعكس هذا التغيير في موقفين جديدين عبر عنهما الجمعة لوران فابيوس وزير الخارجية في تصريحات لراديو “ار تي ال” الرسمي:

الاول: حديثه، اي فابيوس، للمرة الاولى عن امكانية مشاركة الجيش العربي السوري في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” جنبا الى جنب مع الجيش السوري الحر، وقوات الحماية والبشمرغة الكردية.

الثاني: اقترابه من الموقف الروسي، وابتعاده عن مواقف تركيا والسعودية وقطر التي تطالب برحيل الرئيس الاسد، وعبر عن ذلك صراحة عندما قال ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محق في قوله ان الشعب السوري هو الذي يقرر مصير الرئيس الاسد، ولكنه استطرد بقوله “ان الاسد لا يمكن ان يمثل مستقبل شعبه”.

ولم يكن مفاجئا ان يلتقط السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري هذا التغيير “المتدحرج” في الموقف الفرنسي، ويعلن ترحيبه الفوري به “اذا كان جادا فعلا”، مشيرا الى ان ذلك يتطلب تغييرا جذريا في التعاطي مع الازمة السورية”، مؤكدا “ان جيشنا جاهز للتنسيق مع اي قوات تحارب الارهاب”.

الحذر الذي يبديه السيد المعلم مبررا، فالمواقف الغربية ليست ثابتة، وتتسم بالتغيير المستمر في هذا الاتجاه او ذاك، ومن يتابع تصريحات المسؤولين الغربيين منذ بداية الازمة السورية قبل خمس سنوات، ونظيراتها التي تصدر حاليا، يلمس فارقا كبيرا، ومن الانصاف القول ان هناك عدة عوامل فرضت هذا التحول، اولها ظهور تنظيم “الدولة الاسلامية” بقوة وتوسعه المفاجيء في سورية والعراق، والثاني صمود الجيش السوري، والثالث سوء تقدير المعسكر المناويء للنظام السوري، والعرب منه خصوصا، لحجم الدعم الاقليمي (ايران) والدولي (روسيا) الذي يتمتع به النظام.

اللقاء الذي تم بين الرئيسين بوتين ونظيره الفرنسي فرانسوا هولاند اسس لتحالف فرنسي روسي جديد لمواجهة “الدولة الاسلامية”، انعكس بشكل فوري على شكل التغيير المذكور في السياسة الفرنسية تجاه الملف السوري.

تفجيرات باريس لعبت دورا حاسما في هذا التغيير، وقبلها التدخل العسكري الروسي المباشر في الازمة السورية، الذي عزز وجود الرئيس الاسد وقواته، ولعل التطور الذي لا يقل اهمية عن العاملين السابقين هو اسقاط تركيا لطائرة عسكرية روسية قرب الحدود السورية معها، وما ترتب على ذلك من توترات اقليمية ودولية.

الموقف الفرنسي يتغير وبشكل متسارع، ولا تستبعد ان تحذو دول اوروبية اخرى الحذو نفسه في مرحلة الاستقطاب السياسي والعسكري المتصاعدة في المنطقة برمتها.