اعتبارات ومصالح ذاتية ومآرب حزبية وتفاصيل سياسوية تلك التي فجرت الصراع بين التنظيمات السياسية المغربية حول النقاش الجوهري المتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة، وقضية العتبة الانتخابية ونسبة التصويت الشعبي.

لقد انفجرت عين السياسة، وأضحت مسألة العتبة أطروحة خلافية بين الأغلبية والمعارضة على السواء و بين الأحزاب الكبرى والأحزاب الصغرى، وإن كان هناك من المتابعين والمحللين والفاعلين السياسيين من لا يوافقوا على هذا التصنيف السياسوي ، معتبرينه تصنيفا شوفينيا وتحديدا إقصائيا لا يمت للتحليل الموضوعي بصلة. وبين هؤلاء من يعتبر أن مفهوم الأحزاب الصغرى والأحزاب الكبرى لايعبر عن الواقع السياسي الحقيقي، بل إن عملية قياس هذا التحديد لا تتم بعدد مقاعد البرلمان، وإنما بديناميتها الميدانية وتواجدها الراسخ في تدبير قضايا الشؤون المحلية والوطنية والدولية للجماهير الشعبية.

اليوم، وخلال هذه الاثناء بدأت اللعبة السياسية الانتخابية وانطلق العد العكسي للإعداد للانتخابات التشريعية.
أما قبل، نسترجع التاريخ بلغته وأرقامه ومحتوياته بخصوص رؤية بعض الأاحزاب المتوغلة في هذا الصراع اليوم، صراع الأعتاب ،بله صراع العتبات، وليس المقصود العتبات بمعناها السردي مع الناقد الأدبي "جيرار جنيت"، بل صراع نسبة التصويت الشعبي المؤهل للحصول على المقاعد والكراسي و المصالح..
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية انتفخت أوداجه إلى وقت قريب جدا بدعواته المتكررة إلى الرفع من العتبة إلى عشرة بالمئة.
اليوم أضحت العتبة نقطة خلافية بين مجموعة من الأحزاب الممثلة وغير الممثلة بالبرلمان، ودعا الاتحاد الاشتراكي في شخص كاتبه الوطني السيد إدريس لشكر إلى إلغاء العتبة أو الخفض منها إلى 3 بالمئة في اتفاق مع مجموعة من الأحزاب الصغرى .
في حين يظهر فيه حزب الاستقلال من المناصرين لطرح حزب العدالة والتنمية الذي يدعو إلى الرفع من نسبة العتبة إلى 8 أو10 بالمئة في الوقت الذي تحفر فيه هذه الأخيرة خندقا للأصالة والمعاصرة للقبول بالاصطفاف بداخله من خلال تشديده على الدفع في الرفع من العتبة إلى أكثر من 6 بالمئة التي تحد العتبة اليوم لولوج قبة البرلمان وصناعة التشريعات.
بيد أن السؤال المركزي الذي يطرح بشدة: لماذا هذا التحول في الموقف و السلوك من بعض الأحزاب، وخاصة الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والعدالة والتنمية؟؟
حزب الوردة يرى على لسان كاتبه الوطني أن مسار الخفض من العتبة أو الإلغاء سيسمح بوضع حد لأسلوب البلقنة والتلاعب والزخرفة الانتخابية من جهة، وهي فرصة فسح المجال أمام من يعتبرهم بنكيران صغارا، بعد تصنيفه للأحزاب التي لاقاها في اجتماعه معهم إلى صنفين. وإعطاء الفرصة لكل الاحزاب لنيل التمثيلية و شرف المنافسة..
لكن هذه الاعتبارات تبدو سطحية معلنة للاستهلاك الإعلامي المحلي فقط أما الغائب المضمر، فهو الخوف من الثنائيات القطبية المدمرة للأخضر واليابس، وهي قطبية قادمة لا محالة ستهشم رأس البعير السياسي في المشهد السياسي المغربي اليوم.
ثنائية بين سيطرة وتحكم في مفاصل ودواليب البوادي والأرياف مع أخطبوط الأصالة والمعاصرة، وهيمنة بفعل الخطاب المتأسلم المتزلف على المدن و الحواضر من جهة حزب العدالة والتنمية.
وهو تصنيف تشكلت ملامحه اليوم بشكل قوي ومثير للانتباه بعد الانتخابات الجماعية والجهوية الاخيرة.
لذلك فطن "التفكير السياسي" في القيادة الاتحادية لهذا التسونامي القادم في هذه الاثناء عبر وسائل وأدوات إدارية ومخزنية وتنظيمية، تشكل قضية العتبة إحدى مداخلها ومدخلاتها الكبرى.
أما الطرف السياسي المحسوب على المعارضة تجاوزا بالقوة لا الفعل، حزب الفاسيين والفاسيات فهو يغالي في الرفع من العتبة لرغبته الإقصائية ونزعة قائده الشوفينية أكثر من الفاسيين أنفسهم في غربلة المشهد الانتخابي المغربي الموبوء والابتعاد بفارق النقط عن ذيل الترتيب المؤلف من شتات الأحزاب الصغرى، التي أصبح البعض منها، وتخصيصا الاشتراكي الموحد محط ترحيب وثناء من الاطراف المهندسة لخريطة جغرافية الواقع السياسي المغربي اليوم. فهو إذن خوف من الزحمة والازدحام، وإمكانية السقوط المدوي مرة أخرى في إعادة لكابوس الأحلام بتهاوي تمثال العمدة بفاس…
بين الخصوم والمناصرين، وبين الفرق السياسية الداعية إلى الخفض والإلغاء للعتبة والفرق الدافعة في اتجاه الرفع، مسافات تقطعها المصالح والنوازع الحزبية والسياسية.
تقتضي إعادة النظر في مراحلها ومحطاتها لفتح الأبواب أمام كل الحساسيات السياسية للتعبير عن وجودها ومشاريعها المجتمعية.
فالمطلوب من المشرفين على التنظيم الانتخابي القادم الانفتاح بشكل فعلي على الطرح القائم على إلغاء العتبة، وإن لم يكن ، بالتخفيض منها فمن أجل التمكين لمختلف القوى السياسية من الوسائل والدعامات التي تستأثر بها أحزاب دون أخرى.
فالأحزاب في مشهدنا السياسي لا تمتلك الوسائل نفسها ، ولا الأدوات عينها في التعبئة والاشتغال والتغلغل بين الجماهير الشعبية.