كمواطنين نقاطع الانتخابات ليس بناءا على موقف سياسي كما يريد ان يسقطنا فيه دعاة المشاركة، على اساس ان في مقاطعتنا سنترك الفرصة للمفسدين وأنه لابد من إماطة الطريق.. وما إلى ذلك من الشعارات الديماغوجية.

المقاطعة من منطلق موقف سياسي هو من شأن الأحزاب المقاطعة، التي حتى وان كانت تقدمية في فهمها إلا انها تؤثث مشهد التعددية الحزبية. وبذلك تشارك الرجعية في طرحها ان المغرب دولة ديمقراطية فيها التعددية، وهو ما نأبى المشاركة فيه. لأن ان المشاركة هي بمثابة اعتراف بأن المغرب دولة ديمقراطية.. على اعتبار ان الانتخابات هي لعبة ديمقراطية، لذلك من التناقض المشاركة في لعبة ديمقراطية خارج سياقها الديمقراطي. بالتالي المشاركة هي شهادة زور يعاقب عليها الضمير والقانون والدين..

ان تقبل بالمشاركة في الانتخابات يعني انك ستحكم على نفسك الانتظار 5 سنوات أخرى، حينها ستبرد حرقتك النضالية وستمنح مهندسي اللعبة مهلة أخرى لربح الوقت والتفكير في كيفية ربح وقت اخر مستقبلا. لأن واقع كواليس اللعبة هو اضاعة الوقت و محاولة ملأ فراغ شيخوخة الترسانة المخزنية التي أصاب جلها الخرف، وذلك عبر العمل على جلب لاعبين سياسيين اخرين لدواليب الدولة العميقة في جلباب احزاب جديدة على الساحة، كما حدث مع المصابيح في اخر الاستخفافات الانتخابية.

وكما سيحدث في المستقبل القريب مع حزب الجرار لعله يدوس على ما تبقى من رؤوس اينعت في 2011. بحكم انه حزب جديد على الساحة رغم ان مؤسسيه من قدماء المحاربين المخزنيين.

ان تقبل بالمشاركة في الانتخابات يعني انك وقعت اتفاقا بالتراضي مع الداخلية، في إطار تدبير مفوض من طرفك لسنوات استغلال أخرى، وهو ما يزكي الطرح القائل اننا رعايا ولسنا مواطنين. وان الشعب هو احقر جزء من الدولة. لأنك قبلت ان تلعب الدولة دور الخصم والحكم. باعتبار ان الداخلية هي الجهة المشرفة على الانتخابات. عوض ان تكون لجنة مستقلة تشرف على العملية، وهو ما يعني ضمنيا ان الانتخابات هي مجرد برتوكول كرنفالي وان النتائج محسومة سلفا. وان صوتك لا يعدو ان يكون مجرد تزكية لهذا الاجرام التنظيمي.

في النهاية لا يمكن للمواطن المغربي ان يقاطع دستور 2011 الممنوح ويشارك في الانتخابات اليوم. و إلا سيكون قد سحب اعتراضه على الدستور، و ابان بذلك عن قصوره في فهم شأنه، ويكون بمشاركته اليوم قد عاد إلى رشده. ربما يصدق الأمر عند مواطن بسيط لا يمتلك عقلا سياسيا، أما ان تقع الفئة الذكية والمثقفة في كمين كهذا، فهو يصب في اعادت انتاج تعريف النخبة والنخبة السياسية التي لم تعد تفهم خيوط اللعبة.

خلاصة القول فإن فكرة المقاطعة من فهمها البسيط إلى المعمق، هي السند الحقيقي في عملية فسخ العقد مع الدولة العميقة.