نشرت احدى وكالات الانباء العالمية صورة لفتاة يمنية صغيرة تحمل لافتة مكتوب عليها (73 يوما لا نملك طوالها الكهرباء)، في اشارة للاوضاع الانسانية المتدهورة في اليمن منذ بدء “عاصفة الحزم” التي تقودها طائرات حربية سعودية منذ شهرين ونصف الشهر.
اللقطة ربما تكون جزءا من الحرب الاعلامية التي يشنها الطرفان حاليا بموازاة الحرب العسكرية والغارات، والقصف، والصدامات الحدودية، ولكنها لقطة معبرة لا يمكن التشكيك في صدقيتها، فمعظم المدن اليمنية تقريبا تفتقد الى الخدمات الاساسية من ماء، وكهرباء، وطبابة، وادوية، بسبب الحرب والحصار البحري والجوي والبري.

ارقام ضحايا هذه الحرب، خاصة في اوساط المدنيين تزداد يوما بعد يوم، ولكن لان الضحايا من اليمنيين فانه لا يتوفر اي احصاء رسمي لهم، على غرار ما يحدث لاشقائهم في سورية، وبات حالهم اشبه باحوال اشقائهم في العراق ايام الحصار واعمال التدمير والقصف الامريكية التي سبقت الاحتلال او تلته، فحتى هذه اللحظة، وبعد عشر سنوات، لا توجد اي احصاءات للقتلى، ولكننا نعرف كم عدد الامريكيين الذين قتلوا في العراق بدقة كبيرة.

الحرب في اليمن تشهد في الايام الثلاثة الاخيرة تصعيد غير مسبوق ويعود الى سببين نوجزهما فيما يلي:
اولا: اتفاق الاطراف المتحاربة باستثناء حزب المؤتمر الذي يرأسه الرئيس السابق علي عبد الله صالح على الذهاب الى اجتماعات جنيف التي ستبدأ يوم الاحد المقبل سعيا للتوصل الى حل سلمي، حيث يحاول كل طرف ممارسة اكبر قدر من الضغوط لتحسين شروطه التفاوضة.

ثانيا: اقدام التحالف “الحوثي الصالحي” على استخدام صواريخ “السكود” بعيدة المدى، وذات القدرات التدميرية العالية في الحرب، واستهدافها قاعدة الامير خالد الجوية العسكرية في مدينة خميس مشيط السعودية الامر الذي تعتبره السلطات السعودية خطا احمر، لا يمكن ان تتسامح فيه، علاوة على شن التحالف نفسه هجوما موسعا في عمق الاراضي السعودية استخدمت فيه الدبابات والمدرعات يوم السبت.

الغارات الجوية السعودية المكثفة التي ادت الى مقتل 43 شخصا بينهم عشرون مدنيا على الاقل اثناء قصفها لمقر الجيش اليمني يقع بالقرب من مناطق سكنية مدنية في صنعاء جاءت انتقاما للقصف الصاروخي، ورسالة تحذير لأي اطلاق جديد لمثل هذا النوع من الصواريخ الخطيرة، ولكن من الصعب القول بأن هذا التحذير سيعطي ثماره، او يجد آذانا صاغية، لانه الورقة الاهم في يد التحالف المناويء للسعودية في مواجهة تفوقها الجوي.

العميد احمد عسيري المتحدث باسم “عاصفة الحزم” قال ان الغارات الجوية ادت الى تدمير مخزون الحوثيين وقوات الرئيس علي عبد الله صالح من هذا النوع من الصواريخ، ولكن ظهورها، واتخاذ قرار باستخدامها يؤكد، في المقابل، عدم دقة معلوماته.
لا شك ان كل طرف في هذه الحرب يحاول ان يحقق مكاسب على الارض قبل انطلاق محادثات جنيف، ولكن هذا الافتراض يقوم على اساس ان هذه المحادثات ستنتهي بحل سياسي، وهذا امر مستبعد بسبب تعقيدات الازمة اليمنية اولا، وعدم نجاح جولتين من الحوار السوري في جنيف قبلها.

التحالف “الحوثي الصالحي” يريد ان يحقق انجازا سياسيا اكبر من اي انجاز عسكري آخر على الارض، وهو اطالة امد الازمة، بحيث تصبح حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي “الشرعية” “حكومة منفى”، او بالاحرى حكومة تمثل المعارضة، ويبدو ان هذا المخطط حقق بعض النجاحات في هذا الصدد، حيث تخلت حكومة الرئيس هادي عن كل شروطها السابقة للمشاركة في مؤتمر جنيف مثل الاصرار على ان تكون تحت مظلته واشتراط عودته الى صنعاء، وانسحاب جميع القوات الحوثية من العاصمة وعدن والمدن الاخرى، وتسليم جميع اسلحتها.

مؤتمر جنيف يمكن ان يحقق انجازا واحدا وهو الاتفاق على هدنة تستمر طوال شهر رمضان تلتزم فيها جميع الاطراف بوقف اطلاق النار، والسماح بوصول مواد الاغاثة، وهي هدنة اذا تم اعلانها ستصب حتما في مصلحة الشعب اليمني، ولا نستبعد ان يكون التحالف الحوثي الصالحي” احد ابرز المستفيدين منها، لانها ستتيح لهم مساحة لاعادة التموضع عسكريا وسياسيا، والتقاط الانفاس، او نوع من استراحة المحارب.