صادف اليوم السبت 23 يناير، ذكرى مرور عام على تولي الملك سلمان مقاليد الحكم في السعودية، خلفا لشقيقه الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي وافته المنية مطلع العام 2015. عام جاء خلاله الملك، الذي دخل عقده الثامن، بنظام حكم اعتبره المحللون على أنه شكل تغييرا بالنسبة لنمط الحكم الذي ساد لعقود في المملكة العربية السعودية.

التحول الأول: فتح أبواب الحكم أمام جيل شاب

تسلم الملك سلمان الحكم في 23 كانون الثاني/يناير 2015، وهو في التاسعة والسبعين من العمر. واتخذ سلمان قرارات مخالفة للتقاليد السائدة في المملكة بفتحه المجال أمام جيل شاب لتولي مواقع أساسية في الحكم، حيث عين الأمير محمد بن نايف (56 عاما) وليا للعهد، ونجله الأمير محمد، الذي لم يكن قد أتم عقده الثالث بعد، وزيرا للدفاع ثم وليا لولي العهد، ليصبح (الأمير الذي يتولى أيضا رئاسة الديوان الملكي) الوجه الأبرز لعهد والده ومقاربته الجديدة للسياستين الداخلية والخارجية.

كما اختار الملك سلمان عادل الجبير (53 عاما) وزيرا للخارجية بدلا من الأمير سعود الفيصل الذي أمضى نحو أربعين عاما في هذا المنصب.

التحول الرئيسي: السياسة الخارجية

التحول الرئيسي خلال السنة الأولى من حكم الملك سلمان كان في السياسة الخارجية، حيث تبنت السعودية نهجا أكثر جسارة إقليميا تناقض مع ما عرف بـ"السياسة الهادئة" التي اعتمدها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. ويأتي هذا التحول وسط مخاوف من تنامي نفوذ "الخصم الشيعي اللدود"، إيران، التي تتهمها الرياض بـ "التدخل" في شؤون الدول العربية وفق أسس مذهبية، في وقت تعود فيه تدريجيا إلى الساحة الدولية بعد الاتفاق النووي التاريخي الذي تم التوصل إليه مع القوى العظمى في يوليو/تموز 2015.

وتجلت مظاهر تغير السياسة السعودية الإقليمية بتصاعد وتيرة التوتر في علاقاتها مع إيران، عبر إعلانها الحرب على الحوثيين (الموالين لطهران) في اليمن، وقيادة تحالف عربي بدأ في آذار/مارس الماضي عملية عسكرية أطلق عليها تسمية "عاصفة الحزم"، لطرد "الانقلابيين" وإعادة الشرعية للرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي هرب إليها (السعودية) بعد انفلات الوضع الأمني من قبضة قواته الحكومية.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن 7.5 مليون شخص تأثروا بهذه الحرب، حيث قتل أكثر من 5800 شخص، وجرح قرابة 27 ألفا، بينهم أكثر من 5300 من المدنيين، بينما هجر نحو 2.5 مليون آخرين، غالبيتهم من تعز.

مأساة الحجاج وإعدام النمر

ومن الأحداث الأخرى التي كرست احتدام تدهور وتوتر العلاقات السعودية-الإيرانية، الكارثة التي وقعت خلال موسم الحج في 2015، حيث اتهمت طهران الرياض بالتقصير في التنظيم، ما تسبب بتدافع أودى بحياة 2300 حاج بينهم مئات الإيرانيين. وذهبت إيران إلى حد مطالبة الأمم المتحدة بفتح تحقيق دولي في هذا الشأن.

كما احتد التصعيد بين الرياض وطهران إثر إعلان السعودية مطلع كانون الثاني/يناير، إعدام رجل الدين السعودي الشيعي المعارضنمر النمر من ضمن 47 شخصا مدانا "بالإرهاب"، ما أثار انتقادات حادة من طهران، وهجوم محتجين على مقار دبلوماسية سعودية في إيران، فردت الرياض بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران وتبعتها بلدان خليجية في ذلك.

وقال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي على إثر هذه التطورات أن "الانتقام الإلهي سيطال الساسة السعوديين"، ودعا "العالم الإسلامي إلى أن يتحمل المسؤولية تجاه هذه القضية".

الأزمة السورية، التي مازالت تعصف بتلك البلاد منذ أكثر من خمس سنوات، شكلت ملفا هو الآخر شهد على تغيرات في السياسة السعودية منذ وصول الملك سلمان، حيث باشر بجمع أطياف مختلفة من المعارضة السورية في كانون الأول/ديسمبر الماضي، لحضها على توحيد صفوفها قبل مفاوضات مطلوبة دوليا مع نظام بشار الأسد المدعوم من إيران، ما مهد الطريق لمجلس الأمن لتبني بالإجماع في 19 كانون الأول/ديسمبر وللمرة الأولى منذ بدء النزاع السوري قرارا يحدد خارطة طريق للمفاوضات بين النظام والمعارضة.

تواصل الإعدامات وبصيص أمل لحقوق المرأة

رغم ترأس المملكة في أيلول/سبتمبر 2015 للجنة الخبراء المستقلين في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، لم يشهد هذا المجال تغييرا جوهريا بعد تولي الملك سلمان العرش، حيث تستمر سياسة الإعدامات وقمع الصحفيين والمدونين وسجناء الرأي... ضاربة بذلك عرض الحائط بجميع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان ومعاييره.

كما "تحتفظ" السعودية بالمرتبة الثالثة عالميا (بعد الصين وإيران) من حيث عدد أحكام الإعدام التي تنفذها سنويا، وذلك وفق أحدث تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية.

ومن القضايا التي أخذت بعدا دوليا خلال أول عام من حكم الملك سلمان، قضية المدون رائف بدوي الذي منحه الاتحاد الأوروبي في 2015 جائزة ساخاروف لحرية الرأي، بينما يقضي عقوبة السجن عشر سنوات وألف جلدة بتهمة الإساءة للإسلام.

المرأة السعودية هي الأخرى تواصل كفاحها من أجل "انتزاع" حقوقها في مجتمع قبلي ذكوري تحكمه الشريعة الإسلامية، حيث يبقى مثلا حق قيادة السيارات ممنوعا عليها، رغم بصيص الأمل الذي شكله السماح لها لأول مرة بالمشاركة، ترشحا واقتراعا، في الانتخابات البلدية في كانون الأول/ديسمبر 2015.