الوفاة التراجيدية للشاب محسن فكري الذي سحقته شاحنة لنقل الأزبال بالحسيمة شكّلت مناسبة أخرى بينت للرأي العام المغربي فراغ الطبقة السياسية التي تزعم أنها تحكم وتقود البلاد. هذا الحادث عرّى من جديد هذه الطبقة وكشف للعموم عن حقيقتها كطبقة جبانة وانتهازية، وليس لها صلة بالطبقات الفقيرة والمسحوقة في هذا البلد المحكور من طرفها.

كان أغرب موقف وأوقحه بخصوص هذه النازلة هو ذلك الذي اتخذه بنكيران حين أمر حوارييه وكتائبه بعدم الوقوف أو المشاركة في التظاهرات المنددة بالظروف والملابسات التي اغتيل فيها بائع السمك. فبدل أن يزور رئيس الحكومة العائلة المنكوبة في فلذة كبدها ويواسيها ويؤازرها في محنتها، ويشعرها، أصالة عن نفسه ونيابة عن الحكومة والشعب، بأنه إلى جانبها، وأنه سيسترد لها حقها بفتح تحقيق في الملف ومحاسبة من ارتكب هذا الفعل الإجرامي، بدل ذلك، فإن بنكيران أدخل رأسه في قوقعته كالسلحفاة، وأشاح بوجهه عما وقع، ولم يمتلك شجاعة أن يقدم حتى مجرد تعزية بسيطة لذوي الضحية.

يا إلهي، هل هذا فعلا رئيس حكومة يفترض فيها أنها تسهر على شؤون الشعب وتعمل على حل مشاكله ومواجهتها بالجرأة التي تستوجبها المسؤولية التي يتحملها؟ هل هذه هي شيم الإسلام وقيمه وأخلاقه، الإسلام الذي يصدع بنكيران رؤوسنا بأنه مرجعية حزبه؟ هل المسلم الذي يطوق عنقه بأمانة تدبير شؤون المسلمين يجوز له أن يغض الطرف، ويصمت صمت القبور، عن مأساة من حجم المأساة التي وقعت في الحسيمة؟؟؟

بينما كان المغاربة في خضم جنازة كبيرة يتحسرون ويتألمون لما وقع وينتظرون ماذا سيتم اتخاذه من تدابير ضد من يقف خلف هذه الجريمة، كان رئيس الحكومة بعيدا تماما عن هذا الجو، وبدا غارقا في متاهة تشكيل حكومته ولم يخطر على باله التفكير في المشاركة في تشييع جنازة الضحية ومواساة أهله الذين فقدوه في ظروف مزرية ومخجلة. فمن قلب منزل بنكيران طالعنا عزيز أخنوش في نفس اليوم بتصريح عن المشاورات الخاصة بتأليف الحكومة. لقد لاحظ الجمهور أن الرجلين كانا في غاية الانشراح والسعادة، وكأن لاشيء يقع في البلد.

أخلاقيا كان يتحتم على السيد أخنوش أن يؤجل لقاءه برئيس الحكومة المعين إلى يوم آخر، وأن يحل بالحسيمة باعتباره مسئولا عن قطاع الصيد البحري، فهذه الفاجعة التي هزت المغرب من أقصاه إلى أقصاه، توجد في صلب ملف الصيد البحري ومشاكله، أي أنها تدخل في إطار اختصاصات وزير الفلاحة والصيد البحري، وكان عليه التواجد في عين المكان للوقوف على المشكل في أبعاده الكاملة، لكنه فضل الجلوس مع بنكيران في دردشة أولية حول مشاركة الأحرار في الحكومة المقبلة من عدمها.

أي حكومة يمكن انبثاقها من مثل واقع مزر على هذا النحو؟ أي استخفاف من طرف هؤلاء الذين يحكموننا بأرواح المغاربة؟ وكيف ستكون هذه الحكومة التي سيشكلها أفراد يتصرفون مع الشعب بوقاحة لا نظير لها؟؟ المغاربة في نظر هؤلاء الوزراء لا يعدون كونهم حشرات وبوزبال، ولا حرج ولا مشكل لديهم إن تم سحقهم في شاحنات لجمع النفايات والأزبال.

واضح أن بنكيران منسجم في هذا الموقف مع ذاته وتاريخه. فنفس الموقف الذي يتخذه اليوم مما وقع للضحية محسن فكري في الحسيمة، هو نفسه كان قد اتخذه من حركة 20 فبراير إذ نعت أعضاءها بالطبالة والغياطة، وأمر أعضاء حزبه بعدم المشاركة في مظاهراتها.

بموقفه هذا، سواء في الماضي أو الحاضر، فإن بنكيران يتزلف ويتملق المؤسسة الملكية، فكل حركة تُشتمُّ فيها رائحة الاحتجاج أو الغضب، فإنه بسلوكه هذا يبين أنه يحاصرها ويحرض ضدها، ويبارك قمعها واضطهادها، موحيا بذلك بأنه في خدمة الملكية، وهو الأكثر تأهيلا لحمايتها وإنقاذها من الأخطار التي تحدق بها.

وكالعادة لم تجر الرياح هذه المرة أيضا بما تشتهيه سفن بكيران. فالملك محمد السادس وجه له مجددا صفعة مدوية. لقد أرسل وزيريه في الداخلية عند أسرة الفقيد لتقديم عزائه الحار لها، والتعبير عن الألم الكبير الذي يشعر به إزاء هذه الفاجعة، وأعطى أوامره لفتح تحقيق معمق حول ما جرى، وتحديد المسئوليات لترتيب الجزاء ضد المتسببين في الحادث.

لقد فطن الملك إلى أن ما وقع في الحسيمة أمر خطير جدا، يجب تداركه فورا، ولهذا سارع إل التدخل شخصيا، لعلمه أن هذه المنطقة من المغرب تعيش على صفيح ساخن، وأنها بمثابة برميل من البارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة، انطلاقا من وقائع وأحداث دامية عاشتها تلك الجهة، وما زالت أثارها حاضرة وطرية في ذاكرة الساكنة.

تدخّلُ الملك هذا يجعله يبدو في المخيال الشعبي ملك الفقراء، ويشعر بهمومهم وآلامهم ومآسيهم، ويسعى لرفعها عنهم، بخلاف بنكيران الذي يبدو قامعا للفقراء والمستضعفين في الأرض، ولا تحرك معاناتهم أي شيء في دواخله، فهو سبق له أن قال ذات مرة إنه لا يعرف أين توجد الحسيمة.

هذه المفارقة التي تتجلى لنا واضحة بين سلوك الملك وسلوك رئيس الحكومة تؤكد لنا الحقيقة الناصعة المتمثلة في كوننا ما زلنا نعيش في نظام ملكية تنفيذية تسود وتحكم، وبحكومة لا تملك أي صلاحيات فعلية. لو كنا في دولة ديمقراطية، بفصل حقيقي بين السلط، لما كان مثل هذا الحادث قد وقع أصلا، ولما كان الشاب محسن فكري قد قتل في ظروف مأساوية، وحتى إن وقع حادث يشبهه، كانت المسطرة القانونية التي تضمن حق الدولة والمواطن طُبِّقت من طرف قضاء مستقل ونزيه، ولما تشنج وغضب الرأي العام المحلي.

ليست هذه الفاجعة الأليمة حدثا ظرفيا وعرضيا معزولا عن حيثيات محيطة بها، إنها تندرج في سياق حوادث مماثلة أخرى وقعت وتقع في جهات مختلفة من المغرب، وتطلعنا عليها وسائل الإعلام بانتظام. وكمثال صارخ في هذا الصدد، ما جرى للسيدة التي اشتهرت بلقب (( مي فتيحة)) بالقنيطرة..

فنحن أمام ثمرة ونتيجة لسياسة متبعة منذ زمن بعيد، ولم تفلح السلطة في وضع حد لها. فجرائم وأحداث خطيرة تقع في المغرب، ويتم تأسيس لجان لتقصي الحقائق حول ظروف وملابسات وقوعها، غير أن نتائج أشغال تلك اللجان لا يلمسها المواطن في واقعه اليومي المعاش، ويكون مآلها المثل الشعبي القائل: سير تضيم، وتظل القاعدة المعمول بها هي الإفلات من المحاسبة والعقاب، فيحل الشطط في استعمال السلطة مكان القانون الذي يظل حبرا على ورق في بلادنا.

ولذلك فإن اللجنة التي أمر الملك بتشكيلها هذه المرة لتقصي الحقيقة في ظروف وفاة محسن فكري تحت إشراف وزير الداخلية عوض وزير العدل، يجب أن تكون مختلفة عن كل اللجان السابقة، وأن تصل إلى نتيجة مغايرة تعكس الحقيقة وتقدمها للجمهور، وتحدد المسؤوليات، وترتب التبعات القانونية عما وقع في هذه الفاجعة. لقد أصبحت سلطة الملك على المحك: فإما أن تكون أو لا تكون.