كتب أحد العمال الفوسفاطيين تدوينة حول ضرورة النقد الذاتي الذي يروم على حد تعبيره التصحيح والمراجعة، مسلّطا الضوء على معاناة متجددة لجسم أضحى مثخنا بجراح عميقة تكاد تعصف بكيانه الراسخ رسوخ السُنة التدافعية الكونية. وكأن المدوّن يشير بغمز خفي إلى انزوائية طارئة طبعت المشهد التأطيري النقابي نجم عنها تسويغ غير مبرر للانتكاسة النقابية وانزياح جلي عن مسار النقد الهادف والبناء. توقيت يزاوج بين تاريخ فاتح ماي الذي تعتبره الشغيلة ملحمة لنتاج نضالي ضارب في التاريخ وموسم يتسم بتوظيف حجم كبير من مفردات القاموس الديماغوجي النقابي في محاولة للظفر بأصوات تعزز المكان والزمان، ولعلّ المتتبع للشأن النقابي الفوسفاطي سيستشف من خلال الرؤية العميقة للوضع العام أنه من بين أسباب خفوت المشهد النقابي وعدم وضوحه؛ التواطؤ مع الذات والنظر بعيونها التي قد تُحجب عنها بعض الحقائق بسبب موقعها أو تموقعها...وأحيانا قد يكون القرب حجابا.

نتيجة لذلك، يحتدم الصراع في الهوامش وتضيع الجهود في السراب عوض الانجماع على ركب واحد متّحد في مواجهة تحدّيات الشأن العمالي، وتُحتكر المناصب القيادية والأفكار الاعتيادية للإطارات في ضرب صارخ لمشروع استراتيجي لضمان استمرار الحيوية النقابية في تشبيب التنظيمات النقابية ومن ثمة ضخ دماء جديدة في شرايين الممارسة النقابية على مستوى مراكز القرار. كما أنه من بين إفرازات تغييب النقد الذاتي، هذا الشرخ الحاصل في الجسم النقابي الفوسفاطي الذي يساهم في تثييب الإرادة النقابية وينعكس بشكل سلبي في تعميق الهوة وتوسيع المساحات ومن ثمة التقليص من إمكانية انخراط الطاقات الفاعلة في العمل النقابي.

ونحن على بعد شهر من موعد الانتخابات العمالية التي ابتدأت حملاتها الاستباقية بالضرب تحت الحزام وأسلوب الهروب إلى الأمام من خلال أساليب الهمز واللمز والطعن والتشكيك التي تُبعد الفعل النقابي عن مراميه النبيلة في نصرة المستضعفين المبني على أساس إحقاق الحق والوقوف مع المظلوم، وهذا هو السر الذي غاب عن النخبة العمالية في وقت تتجه فيه الرغبات الجامحة نحو المقاعد والمناصب التي تتيح لأصحابها تفرغا نقابيا وأسفارا سياحية تفرز اللعاب.

لعاب قد يسلب ريق الواردين بشراهة، حين يقفون أمام المساءلة العمالية بعد مشاركة فاعلة ودعم عمالي استثنائي في انتخابات 2009، إذ بلغ فيها معدل المشاركة في الانتخابات المهنية 76% بالنسبة لممثلي العمال و75% لمناديب السلامة، مشاركة اعتبرتها الإطارات النقابية وقتها مكثفة وإيجابية بالنظر إلى التراكم المريب لعوامل ذاتية وموضوعية، في حين ساهم التوجه العام للإدارة الفوسفاطية بشكل كبير في تحصيل الوعاء الانتخابي من خلال تحقيقه لرقم رأسمالي تجاوز 60 مليار درهم سنة 2008 السنة الاستثنائية بامتياز، الشيء الذي انعكس بالإيجاب على مطالب الإطارات النقابية ومن ثمة تنزيلها على شكل إنجازات همّت بالخصوص الزيادة في الأجور وحذف السلالم الدنيا، بالإضافة إلى إصدار وعود بفتح أوراش موازية فيما يخص نظام التغطية الصحية والتقاعد التكميلي إلى غير ذلك من الأوراش التي شكلت آمالا مؤرّقة للفوسفاطيين.

غير أن الفعل النقابي بعد هذه النشوة العابرة شهد انتكاسة فظيعة في تدبير بعض الملفات الحارقة، ابتداء بانفراد الإدارة الفوسفاطية بملف التغطية الصحية ومحاولة استئثارها بتفويت تدبيره إلى شركة متخصّصة في المجال، دون الرجوع إلى التمثيلية الشرعية للعمال، لتعود بعد رجة احتجاجية عرفها الشارع الفوسفاطي إلى سياسة الإقالة والتنصيب في محاولة لدر الرماد في العيون. كما أن تفوق خبراء الإدارة في النزالات التفاوضية الأخيرة، جعل بعض المهتمين بالشأن الفوسفاطي يؤولونه إلى إحساس الإدارة بتراجع الفعل النقابي بعد جملة من الإنجازات التي سبق ذكرها، وتبقى المعاشات الهزيلة لعمال" السميسي" المدمجين سنة 2008 من بين الملفات الشائكة التي طفت مؤخرا على سطح السجالات الفوسفاطية منذرة بمآس اجتماعية ستحفر مكانا غائرا على جبين المؤسسة الفوسفاطية وشركائها، دون أن ننسى الغبش القائم حول الصفة المهنية لعمال ما بعد 2001 إثر تفويت المعاشات الداخلية إلى صندوق النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد.

وحتى لا تسيطر الهواجس الانتخابية على طموحات الإطارات والشغيلة على حد سواء، وجب التحلي بالصبر وامتلاك سعة الصدر في تحمّل التعليقات والملاحظات الناقدة لبعض التصرفات والتصريفات التي قد تسيئ إلى التنافسية المشروعة، قاصدة التمويه على رأس المال البشري، كما يحلو لبعض المناضلين توصيفه، فالاستحقاقات الانتخابية ليست غاية في عمقها الديموقراطي، بل وسيلة لتجديد الهيئات والإرادات بغية تحصيل الحقوق وتحصين المكتسبات.