يمكن أن يحس أي مواطن بالأسى والأسف إتجاه ما آل إليه التدافع الحاصل على مستوى ورش إصلاح القضاء، بكل ذلك الأسى والأسف أكتب إلى كل من يهمه الأمر، وأقول وأجري على الله فيما أقول؛
أقول أصبحنا في البلاء سواء وعليه أعطي لنفسي حق الكلام، فالعدالة بداية وانتهاء قضية مجتمع، ولست أبالي إذا قال الناس من بعد كلامي أني أناصر أحدا لأني مقتنع بأنني لا أناصر إلا قناعاتي، فليتفكر أهل المنطق والعقول فيما سأقول؛
لقد تم عزل قاض تمكن من أن يجعل من القضاء الإداري المغربي، قضاء مشهودا له بالإجتهاد والإستقلالية؛
فهو من كان مقررا في حكم قضى بإنصاف المعطلين المغاربة، وفي حكم قضى بأحقية المرأة السلالية في الإرث، وفي حكم كرس
لمسؤولية النيابة العامة عن الخطأ القضائي في الإشراف على الشرطة القضائية؛ وفي حكم يحفظ الحق الدستوري في الوصول إلى المعلومة، وفي حكم مؤسس على ضرورة تحقيق التوازن بين حماية المال العام من جهة وحماية حقوق المواطنين من جهة أخرى؛ (... إلخ)
قاض إستطاع أن ينتزع مكانة دولية للقضاء المغربي، بتعيينه مستشارا دوليا في شؤون العدالة والحقوق الكونية؛ قاض كان واضحا فيما يلزم أن يكون عليه مسار استقلالية القضاء بالمغرب؛
قاض إستطاع أن يغير التمثلات الذهنية السلبية لدى المغاربة بخصوص القضاة؛
قاض إستطاع ان يثبت لنا أن الكثيرين لم يستوعبوا بعد معنى السلطة القضائية، وأن الأمر قد تم إستصغاره لدرجة أننا في دولة تريد قضاة شكلا لا موضوعا ومعنى؛
قاض وطني كتب ثم كتب وظل يكتب أن مشاريع السلطة القضائية لم تكن في مستوى الدستور الذي صوت عليه المغاربة ملكا وشعبا، سياسيين ومدنيين؛ فكان رد بعض السياسيين ان ساهموا بشكل مباشر في صنع أسباب إعدامه وظيفيا؛ دون أي نقاش لجدية آراءه ومواقفه، ودون أخذ بعين الإعتبار لوطنيته ونزاهته؛
سياسيين ساهموا في العزل المشؤوم بشكاية تبين عدم إعترافهم بضرورة إحترام القانون، مادام أنهم لم يحترموا النظام الداخلي المنظم لعمل المؤسسة التي ينتمون إليها؛
قاض أثبت أن في بلادنا يُحرَمُ القاضي من حقوق الدفاع، ومما تستلزمه المحاكمة العادلة في مسطرة المحاكمة التأديبية،
لقد عزل الدكتور الهيني بعد تعبيره عن رأيه في مناقشات همت مشاريع قوانين منظمة لسلك القضاء تنزيلا لدستور 2011، لقد عزل وهو كفاءة علمية وفقهية انتصرت للحق والقانون في كثير من القضايا التي عرضت أمامه،
عزل بالرغم أنه من الصعب إيجاد وتكوين أمثاله وقد كان محقا ذ خالد خالص عندما قال "من الصعب على أي مجتمع – صناعة - قاض مستقل ونزيه ويمتاز بالكفاءة إذ يتطلب الأمر تضحية كبيرة من لدن أسرته التي ترعاه من التعليم الأولي إلى الابتدائي إلى الثانوي الى الجامعي ناهيك عن المباراة والتكوين والامتحانات بالمعهد العالي للقضاء والتدريب بالمحاكم والأبناك وغيرها.. إلى جانب تضحية المعني بالأمر الذي عليه بذل مجهودات وتضحيات وسهر الليالي التي تتطلبها جل هذه المراحل... ناهيك عن المجتمع الذي سخر المال العام لتمويل التدريس والتأطير والتداريب والتتبع مع العلم بأن – المنتوج - ليس مضمون دائما،
وإذا كان من الصعب على المجتمع - صناعة - قاض كفء ونزيه كيفما كان هذا المجتمع، فإنه من الصعب جدا صناعة قاض كالأستاذ محمد الهيني، دكتور في الحقوق، قاض محايد ومستقل ونزيه ويمتاز بكفاءة عالية أعطى الدليل والبرهان على ذلك بالقضاء الإداري.
فهل يمكن لمجرد إبداء لرأي حول قانون معين، او حتى لخرق واجب التحفظ، إن ثبت، أن يقابل بالإعدام المهني وبمسح كل ما قامت به الأسرة والمعلمين والأساتذة والممرنين والمعني بالأمر والمجتمع برمته ؟ أنا أتساءل واترك الجواب للضمائر الحية."
أنا أيضا أتساءل هل لكم منهجية وخطة إيجاد أمثاله؟ أتساءل هل لبعض السياسيين قدرة إيجاد أفكار كأفكاره؟ بماذا ستعوضوننا عنه أبمثل تلك القوانين التي تسنونها؟
كيف سيتأتى لكم ذلك أنتم الذين شرعتم القانون التنظيمي للسلطة القضائية دون إحترام مسطرة الإحالة المنصوص عليها في الفصل 85 من الدستور وهذا ما يشهد به زميلكم ذ عبد اللطيف وهبي من خلال مقاله المعنون بـ: قوانين السلطة القضائية وإخلالات مسطرة التشريع؛
أتستطعون ذلك انتم الذين خرقتم وسمحتم بخرق النظام الداخلي لمجلس النواب؟ أنتم الذين إعتبرتم الإدلاء برأي في إطار حرية التعبير عبارة عن توجه سياسي؛
ألكم إلى ذلك سبيلا أنتم وغيركم من الذين ساهموا في عزل القاضي الهيني لأنه آمن باستقلالية القضاء ومحوريته في الدفاع عن الحقوق والحريات؟
إن قرار العزل يعبر بشكل واضح أن شعار إصلاح منظومة العدالة وُضِعَ فقط كي يسوق له داخليا وخارجيا، بآلات دعائية تم إستقدامها فقط قصد الترويج لإصلاح في ظل الاستقرار، بالرغم من أن الغايات مختلفة تماما عن هذا الشعار؛
صدقا بقراراتكم تؤكدون التخلف السياسي الذي نعيشه مادام ان هناك تخلف واضح عن تحقيق أهداف الأمة المسطرة بقوة الدستور؛
بعد هذا العزل، وحماية لمن يعتقد فعلا أننا في دولة ديمقراطية، فلنكن واضحين ولنقل أننا لسنا في دولة ديمقراطية، مادام أن من الملامح الأساسية للدولة التسلطية خضوع قضاتها لسلطتها السياسية، من ثم فإنه لا يمكن تحقق الديمقراطية إلا باستقلال السلطة القضائية عن السلطة السياسية؛
أوليس الوجهة بالنسبة للمغرب اليوم هي بناء المجتمع المغربي على أساس قيم المواطنة الذي طالما وردت الإشارة إليه في الخطب الملكية؟ أليس من الأجدر تمرير دعوة متجددة لوضع خارطة طريق ممتد وطويل يتوقف تحقيقها على إيمان جماعي بصدقية الشعارات والقيم الأساسية؟
إذا كانت هذه هي الوجهة فإنكم بقرار العزل هذا كسرتم العمل المشترك على توطين القيم اللازمة لسلوك هذا الطريق في السلوك العام؛ لأن العزل لم يكن يوما، ولا ينبغي أن يكون يوما، عقوبة تحرك ضد قضاة الرأي في دولة تدعي أنها دولة حق وقانون؛
لقد جعلتم من شعارات الديمقراطية وحرية التعبير واستقلال القضاء؛ شعارات مبتذلة تدل عن غياب الوعي لديكم بدقة المرحلة التاريخية التي إقتنع بها غالبية المغاربة؛
أخطأتم فعزلتم قيمة قضائية مضافة فبماذا أنتم معوضوه ياسادة؛ سأترك السؤال مُعَلًقا وأضيف إليه أسئلة أخرى:
أين هي قيم المواطنة؟ أين تركتم أخلاق المواطنة؟ أم إكتفيتم بحضورها في بنود الدستور، وإعتقدتم ألا مكان لها في واقعنا الممدود؟
إن الواقع الممدود سيثبت أن فكركم المحدود وإن تمكن من عزل قاض وطني فإنه لن يتمكن من جعله يكف عن وطنيته.

*عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة،باحث في الشؤون القانونية والقضائية.