مرة أخرى يتبين لنا بالواضح ان شغب الملاعب بعد مباراة طنجة والماص اننا لازلنا بعيدين عن الاحتراف والروح الرياضية بسنوات ضوئية...طبعا هذا موضوع متعدد الجوانب سواء من الناحية السوسيولوجية او التاريخية او السيكولوجية. الا ان المشكل يكمن في ان الجمهور الطنجاوي الذي ربما صنع الحدث لمدة عام كامل خلال السنة الماضية؛ أي في اول موسم له في القسم الاول بعد عدة سنوات في القسم الثاني؛ حيث كان نموذجا يحتذى به في الرقي والروح الرياضية وكسب عطف العديد من المتتبعين والمحللين.

فأحداث هذه المباراةاثبتت العكس.فبمجرد اعلان الحكم نهاية مباراة نصف نهاية كاس العرش بإقصاء الاتحاد في ميدانه. والكل يعرف ان الاقصاء شيء عادي في كرة القدم خصوصا وان الماص اطاح بفرق كبرى مثل الوداد والجيش في الادوار السابقة بالرغم من نزوله للقسم الثاني.ومن مسلمات كرة القدم ان مباريات الكاس تختلف عن مباريات الدوري حيث تطبعها ظروف خاصة.. الا ان المؤسف هو ان يقوم بعض المحسوبين على جماهير طنجة بتخريب ممتلكات المدينة وتكسير السيارات..الى غير ذلك من الأفعال الإجرامية!

طبعا لا يمكن لوم الفاعل المباشر وحده! فهناك عينة ضمن كل فصائل "الاولترا" هي المسؤولة عن الشغب وهي التي تتسبب بالأضرار المادية لفرقها حينما تتعرض لعقوبات إدارية من طرف جامعة الكرة.وهذا ما وقع فعلا حينما أوقفت الجامعة ملعب طنجة لثلاث مباريات بعد احداث "الاربعاء الأسود"!

تأتي هذه الاحداث المأساوية في ظل مقاطعة جماهير الأندية لمباريات "البطولة الاحترافية" بعد قرار منع وزارة الداخلية لحمل شعارات الالتراس داخل الملاعب، وهذا ما جعل هذه الأخيرة تتوحد من خلال هاشتاغ (#الاتراس_لن_تحل) وهو شعار يتردد في مواقع التواصل الاجتماعي والملاعب بالرغم من التعتيم الاعلامي على مقاطعة الجمهور للمباريات.

ما وقع بطنجةيعقد موضوع الالتراس بالمغرب ويكشف والواضح انه لا يوجد جمهور في المغرب لا يمارس الشغب. والاستثناء الوحيد كان هو الجمهور الطنجاوي ولكن نصف كأس العرش اظهر العكس. اذن يبقى الشغب ثقافة متجذرة وتمارس حسب نتائج المباريات، علما أنهناك حالات مورس فيها الشغب رغم فوز الفريق بالمباراة، أضف إلى ذلك حساسية اللقاءات والعداوة التاريخية بين الجماهير كما حدث بعد إعلان الحكم عن نهاية المباراة المذكورة حيث ذهب بعض المحسوبين على جماهير اتحاد طنجة إلى المدرجات الخاصة بجماهير المغرب الفاسي لتندلع المواجهات بين الفريقين!

ولا يختلف اثنان على أن جمهور كرة القدم على وجه التحديد يعتبر من بين أخطر أنواع الجماهير من حيث قابلية التفاعل والانفعال ثم المرور إلى الفعل؛ أي: الشغب بجميع مستوياته. فالفرد المنضوي في الجمهور يكتسب بواسطة العدد المتجمع شعورا عارما بالقوة ليستغل بذلك فرصة وجوده داخل الحشد لإخراج ما بجعبته والتعبير عنه سواء ماديا أو معنويا، ولعل أحداث الشغب التي أصبحنا نعاينها أثناء مباريات كرة القدم في السنوات الأخيرة (مباراة طنجة والماص مثلا)، تلامس ما تداوله غوستاف لوبون في 'سيكولوجية الجماهير' والذي سماه 'دينامية الجماهير'! كما ان الجمهور في مثل هاته الحالات يكون في حالة اللاشعور ولا يشعر بما يفعله حسب لوبون دائما.واذا اردنا اعادة صياغة ماقاله لوبون بعبارة اخرى فيمكن القول ان الجمهور 'حمار' نظرا لما يقوم به من اعمال حيوانية! قردانية!

لذلك فملاعب كرة القدم أصبحت متنفسا يعبر فيه المعجبون عن مختلف مشاعر القمع التي يحسون بها لتحقيق الذوات، والوقوف وجها لوجه أمام رجال الشرطة وعندما نقول الشرطة فإننا نتحدث عن السلطة. ولعل المقاربة الأمنية اليوم لم تعد تتناسب وتطور المجتمع المغربي خصوصا مع ظهور روابط الإلتراس( قبل قرار الداخلية بحلها) التي أعطت نوعا من الحرية التعبيرية من خلال اللافتات والهتافات التي تلامس عاطفة الفرد وتهيئه وجدانيا للانخراط في المنظومة الجماهيرية للفريق.!

ويمكن الجزم ان الهوليكانز كظاهرة لم تختف بعد في الملاعب المغربية وهذا ما يطرح العديد من التساؤلات من قبيل:
ما هي الأسباب الاجتماعية والسيكولوجية والسوسيوثقافية التي تدفع هاته الجماهير الى ممارسة الشغب؟ وهل المقاربة الأمنية، بالرغم من تطورها وتتنوع أساليبها، كفيلة للحد منهذه الظاهرة؟

ومن المؤكد أنه إذا توفرت الإرادة من اجل تفعيل الحلول المقترحة، آنذاك يمكن ان نقطع شوطا كبيرا في القضاء على هذه الظاهرة، التي تتسبب في الخراب، كما قضت عليها دول ديمقراطية عديدة (رغم وجود بعض الاستثناءات النادرة مثل ما جرى خلال كأس اوروبا الاخيرة). ..وما عدا ذلك ستبقى كرة القدم هي متنفس هذه الجماهير التي تستغل هذه الفرصة لتفجير مشاعرها المكبوتة ..

خلاصة القول، في حالة ما إذا لم يتم اتخاد اجراءات حاسمة لمعالجة هذا "الداء"، فإن كرة القدم قد تستخدم وتستغل، الى جانب الامية والفقر.. كألية من آليات الالهاء وابقاء الوضع على ما هو عليه!