عبد الله أفتات

شاءت الأقدار أن أكون متواجدا عشية الاحتفال بثامن مارس الذي يؤرخ لعيد المرأة ويحتفل بها وبما حققت الدولة لها بمستشفى محمد الخامس بطنجة لعيادة صديق لي أجرى عملية جراحية خفيفة، واستثمرت الزيارة مستحضرا السياق، واقتربت من جناح أطلقوا عليه "قسم الولادة" لأرى كيف يحتفل بالمرأة المغربية في عيدها الأممي .

المشاهد التي وقفت عليها إما معاينة أو حكاية عن طريق من مررن من هنا تصدم كل الزائرين والمضطرين للمرور من هذا المستشفى الذي يوصف ب "الجهوي"، مشاهد تسائل السياسة الصحية ببلدنا، وتضع الشعارات والعناوين والمشاريع الصحية التي يصفها الخطاب الرسمي ب "الواعدة" تحت مجهر الحقيقة التي لا يمكن أن تخفيها ببساطة سياسة "الماكياج" المتبعة والتي لم تعد تجدي أمام واقع عنيد لا يمكن أن يرتفع إلا بمشاريع حقيقية تثلج صدور المغاربة "الدراويش" .

فأنت هنا لن تجد إلا الدراويش، والمساكين، يتبدى ذلك من خلال مظهر المتواجدين بالمكان، ومن خلال الوجوه الحاملة لكل أنواع البؤس والشقاء، أما ما فوق ذلك فإنهم يلجؤون إلى المصحات الخاصة، حيث المتابعة المستمرة، والمعاملة الحسنة، والتواجد المطلوب، ثم إن نساء هؤلاء القوم لن يتحملن ما هو موجود وراء ستار قسم الولادة ببناية يطلق عليها تجاوزا "مستشفى محمد الخامس بطنجة" .

فأول ما يصدمك هو الكلمات والمصطلحات المستعملة التي تنهل من قاموس السب والشتم والاحتقار، الذي يصل أذنيك ما إن تقترب من الباب الرئيسي لهذا القسم، فالكلمات الجميلة والمعاملة الطيبة لا مكان لها هنا، ولن تجدها أصلا، فهي عملة نادرة بل مفقودة إلى أن يشاء الله، فالحارس يسب ويلعن، ويتراجع عن ذلك إذا أظهرت له ورقة خضراء، والممرضات يشتمن ويكشرن في وجوه المقبلات على الولادة إلا إذا سلمت لها ورقة حمراء أو زرقاء، أما الطبيبات فهن متبخترات، مشيتهن كأنها على "الزرابي الحمراء" وكلامهن موزون كأنه صادر عن آلة، ويعتبرن أنفسهن فوق الجميع، وكأنهن قد أتين من عالم أخر، أما الإدارة ومن فيها فلا تستطيع أن تعترض في حضرتها أو تناقشها أو تسأل، فالويل لك إن تجرأت على الاحتجاج على سلوك ما أو كلام ما، فإنك ستسمع ما لم تسمعه في حياتك.

وعندما تلج إلى الداخل فتلك مصيبة لا يعلم مداها إلا الله، فقد حكت لي سيدة أنها تعرضت للضرب أثناء الولادة من طرف ممرضة لم تنل "حظوة" ولا "قهوة" من طرف زوجها، فكانت القسوة والغلظة في الفعل كرد فعل على ما يعتبرونه واجبا عليك أن تمدها إليهن، والمقصود بها الورقة الحمراء وإذا كانت الزرقاء فستكون من المحظوظين حيث ستجد من يربت على كتفي زوجتك التي قادها حظها العاثر إلى هنا .

أما سيدة أخرى وأمام صراخها بسبب آلام المخاض، وبعد أن تأكدت الممرضة أو القابلة أنها لن تتوصل بتلك الورقة الملونة، فقد خاطبتها "اصمتي يا سيدة، فعندما كنت بين يدي زوجك تستمعين لم تكوني تفكرين في هذا الآلام، واليوم تأتي لتفرقعي رؤوسنا بالصراخ والعويل"، فما كان من المسكينة إلا أن حاولت لجم صوتها رغم آلام المخاض وآلام بلد لم يوفر لها حتى أين تلد بكرامة .

وبعد الانتهاء من الولادة فقد تكونين من المحظوظات إذا وجدت من تقتسمين معها سريرا، أو أن تفترشي "كرطونا" على الأرض حتى تلتحق بك أسرتك لتحضر لك الغطاء والفراش، وتحكي سيدة أنها اضطرت لمنح مسؤولة هناك ورقة زرقاء لتجد لها سريرا يليق بها، وتضيف أن سيدة أطلقت زغرودة مطولة بعد أن وجدت زوجة ابنها سريرا، حتى أصبح السرير أقصى ما تتمناه امرأة مقبلة على الولادة، يا لحسرة هذا الزمان، ويا للحظ المؤلم لنساء بلدنا عشية عيدهن الأممي .

ويتساءل المرء أمام هذه الفضائح بمستشفياتنا الوطنية، كيف يحدث هذا في بلد يدعي أنه مضى بعيدا في تنزيل حقوق الإنسان وحقوق المرأة على الخصوص ؟ كيف تحدث كل هاته الفظائع في بلد يتشدق فيه الخطاب الرسمي بمناسبة وبدونها بحقوق المرأة، ومدونة الأسرة ؟ ثم كيف لسلطتنا أن تصرف الملايير في الكماليات في حين أن جزء كبيرا من ضرورياتنا لا زال لم يكتمل بعد ؟ لماذا لا يخصص مجلس المدينة فائضة لهاته السنة في تجهيز مستشفى محمد الخامس ؟

إن ما يجري وراء أروقة قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس بطنجة، يسائل السياسة الحكومية بشدة، فالوضع كارثي، ونساء المغاربة الدراويش يواجهن المعاناة بصمت مؤلم، والوزارة المعنية تتحمل كل المسؤولية في هذه الكوارث، وما يدعو للريبة أكثر هو هذا الغياب الشبه المطلق لمجموعة من المنتخبين والبرلمانيين، ومجلس المدينة، والأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية والجمعوية، وبعض وسائل الإعلام.. فأين كل هذه المعاناة من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة؟ وأين كل هذا مما يقال بهذه المناسبة في التلفزيون والإذاعة والجريدة والمواقع الإلكترونية، ومن تصريحات المسؤولين المغاربة ؟