قبل سنة ونصف تقريبا، أجريت، بداخل مقر "الحزب الاشتراكي الموحد" في مدينة الدار البيضاء، حوارا مع "محمد بنسعيد آيت يدر"، الرجل الذي وشحه الملك يوم  الخميس 30 يوليوز، بمناسبة عيد العرش.

وفي الحوار قال لي بأن الملك محمد الخامس مسؤول "مسؤولية سياسية" عن اغتيال عباس المسعدي، وابراهيم الروداني، بل والأخطر أن بنسعيد أكد بأن "الاغتيالات التي كانت تقع في تلك الفترة كانت تجري بعلم الملك وولي العهد الحسن الثاني".

عُدت من الدار البيضاء إلى الرباط فَرِحاََ مَرِحاََ بهذا السبق الصحفي، ومن فرط سعادتي بهذا السبق لم أنتظر حتى يُجهز الشريط داخل موقع "اليوتوب" بل سارعت إلى صياغة مادة "زلزلت" الصفحات الاجتماعية في تلك الفترة تحت عنوان: "بنسعيد يفجرها الملك مسؤول عن اغتيال عباس المساعدي وابراهيم الروداني".

لم يمض على نشري للخبر على الموقع الذي كنت اشتغل فيه سوى ساعات قليلة حتى سارعت   يومية "المساء"  إلى إجراء حوار مكتوب مع بنسعيد، بعد أن تابعت تداعيات المادة التي نشرتها في الموقع على الصفحات الإجتماعية، غير أن "المساء" جاء عنوانها ملطفا شيئا ما  هكذا :"بنسعيد آيت يدر: القصر مسؤول عن اغتيال عباس المساعدي".

اتصل بي بنسعيد بعد أن كنت قد نشرت الجزء الأول من الحوار في انتظار نشر الجزء الثاني، وحاول نفي أن يكون قد قال ما نقلته عنه، فطلبت منه أن يصدر بيان حقيقة التزمت بنشره له على صفحات الموقع، على أن انشر مساء نفس اليوم الجزء الثاني حيث يقول بنسعيد بالصوت والصورة : "الملك مسؤول عن الاغتيالات، كل العمليات جرت بعلمه، كان عليه أن يوقف ذلك".

توصلت ببيان بنسعيد ونشرته كما التزمت معه بذلك، لكن مديرة الموقع رفضت نشر الجزء الثاني من الحوار، خاصة وأن هذا الجزء كان يتضمن قول بنسعيد عن إمارة المؤمنين حين سألته عنها: "حتا يكونوا عندنا مؤمنين بعدا"، ما جعلني أشك بشكل كبير وإلى اليوم بأن يكون اتصال بنسعيد بي ومحاولة نفيه لتصريحه لي وبعثه للبيان  قد جاء باتفاق مع المديرة، لأني لم أستطع أن اقبل  وإلى اليوم أيضا  أن يغامر رجل بقدر بنسعيد ببعث بيان حقيقة وهو يعلم أني أملك تصريحا له موثق بالصوت والصورة، إلا إذا كان قد تلقى ضمانات بعدم نشر الجزء الثاني.

وطيلة أربعة أيام تقريبا وأنا بين المطرقة والسندان، لقد عشت لحظات عصيبة و أليمة لن أنساها ما حييت، خاصة عند مجيئ الليل، حيث كنت أبقى ساهرا طيلة الليل تقريبا، إلى أن ينبلج الصبح، دون أن أتوقف عن السؤال حول مستقبلي الصحفي بعد اليوم لكون المديرة رفضت نشر الجزء الثاني، في وقت التزمت فيه مع زوار الموقع بنشره؟ كيف سيتسقبل زوار الموقع عدم نشر الجزء الثاني من الحوار، وأنا وعدتهم به، خاصة وأنني أشعرتهم بتفاصيله المهمة؟ ألن يقول الزوار إن المخزن ضغط على المهدوي لعدم نشر الحوار؟ وإذا جاز قبولهم ذلك أي مستقبل صحفي بقي لي اليوم؟ كنت أطرح هذه الأسئلة، في وقت ظلت فيه مديرة الموقع مصرة على عدم نشر الجزء الثاني من الحوار، لدواعي لست مخولا للكشف عنها خاصة وأنها تعنيها بالأساس.

مر على اليوم الذي التزمت فيه بنشر الجزء الثاني من الحوار أربعة أيام، وفي اليوم الخامس، كان لي نقاش ساخن مع صاحبة الموقع، سعت فيه بكل جهذها إلى اقناعي بتجاهل هذا الجزء من الحوار والاستمرار في العمل، لكن كرامتي كانت فوق كل ضغط واعتبار، لأقرر في الأخير تقديم استقالتي من الموقع، مع احتفاظي بلحظات طيبة عن تلك التجربة وحتى تقدير لتلك المديرة بصرف النظر عن بعض التفاصيل التي قد تواجه الإنسان في كل تجربة مهنية.

ومنذ ذلك التاريخ لم يعد بنسعيد يشكل لي أي شيء ذا قيمة كبيرة، خاصة مع التبرير الذي برر به، مؤخرا، امتناعه عن توقيع عريضة تضامنية مع الصحفي علي المرابط، حيث عزا رفضه إلى مواقف الأخير من الملكية والصحراء، خالطا بين الموقف السياسي والموقف الحقوقي الانساني، لكن هذا لا يمنع تقديره على مواقف قديمة له، كامتناعه عن تقبيل يد الملك والمحن التي عاشها رفقة الوطنيين من أجل تحرير البلاد، دون أن تجعل منه تلك المواقف والمحن  في أعيني أيقونة أبدية، وإلا جاز أن يبقى أحمد حرزني وعبد السلام بوذرار وأحمد اخشيشن وصلاح الوديع وعبد اللطيف المانوني ومصطفى الرميد وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي ونوبير الأموي، أيقونات أبدية كذلك، بحكم مواقفهم السابقة، وربما يعلم الجميع في أي حضن ارتموا لاحقا.

واليوم أفاجأ كما فوجئ الجميع بتوشيح بنسعيد، وكان طبيعيا أن تغمر مخيلتي رزمة من الأسئلة منها: هل يريد الملك بهذا التوشيح مكافأة بنسعيد على دخول حزبه الانتخابات وعلى حرصه على تشبث قواعده بالملكية؟ أم يريد الملك أن يغيض زعامات سياسة يعتبرها عدمية ظلت مواقفها متحفظة من الملكية؟ ألا يكون الملك مصيبا في هذا التوشيح بتكريمه لرجل ساهم في إجلاء المستعمر الفرنسي؟ ثم أعود وأتساءل أليس هذا التوشيح مجرد قرار سياسي، إذ كيف يوشح الملك الذي يصر على تجميع كل السلط بين يديه، رجلا يريد أن يسحب منه سلطه في إطار مشروع الملكية البرلمانية، حيث الملك يسود ولا يحكم؟ كيف يعترف ملك تنفيذي بقيمة رجل يقضي المنطق بأن يكون عدوه الأول هو الحكم الفردي؟ كما تسائلت: هل يريد الملك  بهذا التوشيح  تنفير الناخبين من المرشحين اليساريين وعودة الإسلاميين في الحكومة المقبلة؟ ثم أستدرك بسؤال في اتجاه آخر: ومن قال إن بنسعيد يريد فعلا الملكية البرلمانية، ربما يكون مؤمنا بالملكية التنفيذية وإلا لما قبل كرمها اليوم؟ ثم تعود بي الذاكرة إلى ظروف حيازة بنسعيد لمقر "الحزب الاشتراكي الموحد" في الدار البيضاء وكيف اتصل البصري ببنسعيد وقايضه المقر مقابل موقف من الصحراء في لحظة كانت هذه القضية تمر فيها من منعطف حاسم؟

بصدق لم أطمئن بما فيه الكفاية لجميع الأسئلة المطروحة أعلاه حتى أرجح إحداها على الأخرى، غير أن فكرة ظلت هي المسيطرة على مخيلتي، تفيد أن الملك بهذا التوشيح إنما أراد أن يقول للمغاربة بأني بعيد عما يحاك ويجري ضدكم فأنا مع التعليم العمومي وأحس بالفقراء وبساكنة الدواوير ومدن الصفيح وأسأل عن الثروة مثلكم وأكرم أعلامكم الطيبين أمثال بنسعيد، وبالتالي فأنا بريئ مما يجري ضد الجمعيات الحقوقية وعزل القضاة ومحاكمة الصحافيين واعتقال ظلما وعدوانا بنسعدون والمواطن حسن نجيم وربما غيرهم، كما أني بريئ مما يحاك ضد المرابط والمهدوي ونجيم وكدار، وبريئ أيضا من هدم المساكن فوق رؤوسكم ومن تعنيف "الفراشة" والمعطلين وما يجري ضد كريم التازي وميلود الشعبي وضد ساكنة كلميم على يد بلفقيه ولساكنة أصيلة على يد بنعيسى...