حميد المهدوي ـ قالت الصحفية زينب الغزوي، في برنامج حواري بقناة "DW": " نحن لا نرى الفرق بين أن نرسم ساركوزي أو البابا أو أنفسنا أو زملاءنا أو الأنبياء أو الله هذه ليست إلا رسوما ساخرة".

والظاهر أن السيدة الغزوي، من خلال هذا الكلام، تعاني من خمسة مشاكل، تهم فهمها للقضية الدينية؛

أولا، تعتقد السيدة الغزوي أنها برسومها الساخرة عن النبي أو الله، ستحرر الإرادة البشرية وتساعد "المتدينين" على التخلص من "الكليشهات" و"المقدسات"، في حين أن تلك الرسوم هي أفضل الفرص لإنعاش الاهتمام بالله والرسول.

ثانيا، تبدو السيدة زينب غير مدركة بأن الدين الإسلامي أكثر وطأة، من أي شيء آخر، على نفوس معظم المغاربة، حتى ولو بدت سلوكياتهم شاذة في بعض الأحيان ومخالفة لروح وتعاليم هذا الدين، "فالإسلام تحديدا" كما تقول الشاعرة والكاتبة اللبنانية جمانة حداد: " ينعكس بشكل قوي جدا على سلوك الإنسان الاجتماعي وتكوينه السيكولوجي، مما يستوجب التعاطي الحذر مع المقدس خصوصا في العالم الإسلامي والعربي، حيث يتجذر الإسلام ويتحكم في سلوك الفرد"؛ وعندما لا ترى السيدة الغزوي فرقا بين السخرية من الله والسخرية من زميل لها فإنها تسيئ، عن غير وعي، لمشاعر المسلمين، وحين تفعل ذلك فإنها تتسبب في إفزاعهم وتنفيرهم وتزيد من تعلقهم بالله والرسول.

وحين يتجنّب المناضل والصحفي والحقوقي، وكل راغب في التغيير نحو الأفضل، أي إساءة إلى مشاعر المسلمين وقناعاتهم الدينيّة فإنه يسهل عليه جذبهم أكثر فأكثر إلى معسكره الحداثي وقناعاته الإنسانية.

ثالثا، يبدو أن السيدة الغزوي لا تُفرق بين الدين الديني والدين الاجتماعي والدين السياسي، إنها لا تفرق بين الدين والفكر الديني، باعتبار الأول ثابت، كمعطى إلهي، والفكر الديني متحرك، كمعطى بشري، وبالنتيجة فإن موضوع سخريتها، الأحرى أن يكون هو الفكر الديني الوضعي الإنساني الوجودي المتحوّل والمتغيّر والمتحرّك وليس الدين بحد ذاته، الأولى أن يكون موضوع سخريتها هو البشر الذي يحاول لي عنق النص الديني بما ينسجم ومصالحه الدنيوية، وليس الله أو الرسول باعتبارهما مؤسسين للدين كنصوص مقدسة ثابتة تاريخيا؛

رابعا، يظهر أن السيدة الغزوي لم تستوعب بعد أن "الظاهرة الإسلامية" ولا نقصد بذلك الدين الإسلامي، ما هي إلا رد فعل طبيعي على الهيمنة الأجنبية من جهة، ومن جهة ثانيا، هي فقط تجل بسيط لفشل المشاريع الليبرالية واليسارية والقومية في الإجابة عن أسئلة التحول الديمقراطي في العالم العربي، وبالتالي فـ"الإسلام السياسي" ليس سبب أزمة المغاربة ولا هو الحل لهذه الأزمة وإنما هو حاصل ونتاج لهذه الأزمة البنيوية، التي لا يمكن الخروج منها كما يقول لينين إلا بـ" نشر الأدبيات العلمية وشرح الجذور الحقيقية، التاريخية والاقتصادية للضباب الديني"، لا بالسخرية من الله أو الرسول.

ولعل ما غفلته السيدة الغزيوي هو أن هناك ستة قرارات صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة مند 2006 توصي بضرورة توفير الحماية اللازمة في تشريعات الدول ضد تشويه الأديان وازدراء الرموز الدينية، وهي القرارات التي ترفضها فرنسا التي وضعت قانونا يجرم معاداة السامية، بمبرر أن قرارات الجمعية من شأنها التضييق من حرية الرأي والتعبير!

إن السخرية من الله أو الرسول مجرد حماقة غير محسوبة العواقب، وكما يقول لينين في المؤلفات الكاملة :" علينا أن لا نعلن إلحادنا في برنامجنا، وعلينا أن نتقن النضال ضد الدين لأن المسألة الدينية ليست في المقام الأول. ومن يضعها كذلك كمن يلهي الجماهير ويحرف نضالها ضد الجهل والاستبداد والبؤس الاقتصادي والتطور. إن تسعير الأحقاد الدينية وُجد بهدف هذا الحرف عن المشكلات الأساسية الاقتصادية والسياسية والنضال الثوري من أجل التغيير".

ولعل قليل من النباهة تجاه تصريح الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، يوم الخميس 15 يناير، في كلمة ألقاها في معهد العالم العربي في باريس حين قال بأن المسلمين هم "أول ضحايا التعصب والتطرف وعدم التسامح في العالم". وكذا قليل من النباهة تجاه الموقف المغربي من مسيرة الأحد بباريس، سيجعل السيدة الغزوي تدرك وعْي هولاند والمؤسسة الملكية بقيمة الدين ومكانته اليوم في معادلة الصراع البشري، فهولاند استخلص الدروس من حرب أمريكا على "الإرهاب" وبالتالي أدرك أن أي هجوم على الإسلام، بعد الهجوم على مجلة "شارلي إبدو" من شأنه أن يغذي التطرف أكثر ويوسع دائرة خصومه، فيما المغرب أدرك أن أنجع ورقة يمكن أن يلعبها اليوم أمام الاحتقان الداخلي الذي يعيشه بفعل عدة مشاكل، هي ورقة الدين لهذا حظي موقفه بترحيب كبير من لدن شرائح واسعة من النخب والشعب المغربي.

وعندما نختلف مع السيدة زينب في رؤيتها للمسألة الدينية وننتقد سخريتها من الله أو الرسول على مجلتها؛ فهذا لا يعني الإساءة إليها أو التنقيص من مكانتها، فلها الحق في أن تعبر عن أفكارها بالشكل الذي يحلو لها، فقط عليها أن تدرك مخاطر ما ينتج عن لسانها، خاصة وسط مجتمع كثير من مجرميه ومنافقيه يتحولون بين عشية وضحاها إلى "وعاظ" من أجل شراء "رضى الله" بالهجوم عليها، وقد تجد بعض هؤلاء "الغيورين" على الله والرسول، أكثر الناس انتهاكا للحقوق والاخلاق وخيانة للأمانات والشهادات بالزور في المحاكم وغيرها من الأفعال المشينة، في وقت قد تجد فيه السيدة الغزيوي أكثر احتراما للحقوق والحريات وأكثرهم تضامنا مع المظلومين في اللحظات العصيبة.