أجرى مكتب " سيجما كونساي" التونسي استطلاعا للرأي لفائدة مؤسسة " كونرادأديناور" الألمانية. وقد شمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر تحت عنوان: الدين والسياسة في شمال إفريقيا. وتضمنالإستطلاع المذكور أربعة محاور أساسية تم سبر آراء المستجوبين حولها، حيث انصبت النقطة الأولى على ارتباط المواطنين المستجوبين بالإسلام، وتعلقت النقطة الثانية بالموقف من الإسلام السياسي، بينما تمحورت النقطة الثالثة حول مفهوم التطرف الديني، أما النقطة الرابعة فقد خصصها الإستجواب للموقف من تنظيم الدولة الإسلامية " داعش". وشملت الدراسة ألف شخص من كل بلد، تتجاوز أعمارهم 18 سنة.
نتائج هذه الدراسة المهمة تم الإعلان عنها رسميا يوم 10 ماي 2016. ونظرا للقيمة التي تحملها نتائج الدراسة وأهميتها لفهم الكثير من الأمور المرتبطة بالتدين في دول شمال إفريقيا ودوره في تشكيل الوعي الإجتماعي لدى مواطني هذه الدول، سأعمل في هذه القراءة على الوقوف عند بعض الأرقام التي تتعلق بالمغرب على وجه الخصوص، مع التوقف عند مقارنات مع باقي دول المنطقة من خلال المعطيات الرقمية التي كشف عنها الإستطلاع من خلال التركيز على محورين أساسيين تناولتهما الدراسة المذكورة، هما: الإرتباط بالدين والموقف من الإسلام السياسي.
1 - الإرتباط بالدين:
52,8 في المئة من المستجوبين في بلدنا يعتبرون أنفسهم مسلمين قبل أن يكونوا مغاربة. وهذا يعني أن الإنتماء للإسلام مقدم عند هؤلاء عن الإنتماء للوطن. وهذه النتيجة تنطبق على النسب المتعلقة بكل البلدان التي شملها الإستطلاع مع تفاوت في الأرقام، باستثناء تونس التي عبر فيها 53,2 في المئة عن ارتباطهم الوطني قبل أي اعتبار ديني أو عرقي. ولمزيد من التوضيح أجاب المستجوبون عن سؤال آخر بصيغة: هل تعتقد أن هويتك الوطنية أكثر أهمية من هويتك الدينية؟. ومرة أخرى كانت الأجوبة معبرة عن النتيجة السابقة، فقد كانت نسب الرافضين ( الذين أجابوا بلا) مرتفعة للغاية في مختلف البلدان المذكورة، وبلغت في الحالة المغربية 71 في المئة. أما التونسيون فقد كانوا منسجمين مع اختيارهم الوطني، حيث لم تتجاوز نسبة الذين أجابوا بلا 48,1 في المئة.
هذه الأرقام تثبت أن الإسلام يحتل مكانة أساسية في الوجدان الجمعي لشعوب شمال إفريقيا على العموم، وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى البيئة الدينية الحاضنة لثقافة شعوب المنطقة منذ قرون طويلة. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح عندما نقرأ أرقاما تتعلق بدرجة الأهمية التي يحتلها الإسلام في حياة المستجوبين ( حيث تجاوزت النسبة 97 في المئة في كل البلدان بما في ذلك تونس). وهذا يعني أن المواطن التونسي يميز أكثر من غيره من مواطني الدول الأخرى بين حضور الدين في المجتمع وحضوره في الممارسة السياسية. ويؤكد أيضا أن التجربة التونسية في بناء الدولة المدنية أكثر نضجا من غيرها، حيث يشير ارتباط التونسيين بالمواطنة عن وعي متقدم بشروط بناء مقومات الدولة المدنية، وهو الوعي الذي مازال ناقصا في كل من ليبيا والجزائر ومصر والمغرب .
في ما يتعلق بالموقف من بعض المظاهر المرتبطة بالتدين، وصلت نسبة المغاربة المؤيدين لارتداء النقاب 28,2 في المئة، بينما بلغت هذهالنسبة عند الليبيين إلى 44,6 في المئة، وعند المصريين 36,9 في المئة... ومرة أخرى كان موقف التونسيين لافتا، إذ لم تتجاوز نسبة المؤيدين 4 في المئة.
2 –الإسلام السياسي:
السؤال الأهم في هذا المحور تعلق بموقف المستجوبين من الفصل بين الدين والسياسة، حيث عبر 54,8 من المغاربة عن تأييدهم لهذا الفصل، بينما بلغت نسبة الرافضين 36,4 في المئة. أما في مصر وتونس فقد كانت نسبة المدافعين عن لائكية الدولة الأكثر ارتفاعا، حيث وصلت 71,2 في المئة بمصر، و72,8 في المئة بتونس. وواضح أن تجربة وصول الإسلاميين إلى الحكم في البلدين بعد "ثورتي التحرير والياسمين" وفشل التجربتين ( الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس) جعل المصريين والتونسيين أكثر اقتناعا بضرورة الفصل بين الدين والسياسة. إلا أن الملاحظة الأساسية في نتائج الإستطلاع المتعلق بالموضوع هي أن نسبة المستجوبين في كل بلدان شمال إفريقيا المتعلقة بالذين ردوا عن سؤال الفصل بالإيجاب كانت أكثر من نسبة الذين عبروا عن رفضهم لهذا الفصل. ويبقى رقم 54,8 المسجل في المغرب هو الأضعف بين دول المنطقة. ويمكن تفسير ذلك من خلال حضور الدين في النظام السياسي في المغرب عبر إمارة المؤمنين، لذلك لا يطرح استعمال الدين في السياسة مشكلة كبيرة بالنسبة للمغاربة (أو هذا ما تدل عليه أرقام الإستطلاع على الأقل). ويترسخ هذا الإنطباع أكثر عندما نقرأ في الدراسة أن 53,6 في المئة من المستجوبين المغاربة يؤيدون تدخل أئمة المساجد في الشأن السياسي. ويتأكد ذلك أيضا عندما يعتبر 61,7 في المئة من المغاربة أن للإسلام تأثيرا إيجابيا على السياسة في بلدنا.
اللافت في هدا المقام هو أن 63,1 في المئة من الليبيين يؤيدون فصل الدين عن السياسة، لكن هذه النتيجة المذهلة سرعان ما تصبح بدون معنى، عندما يجيب المستجوبون عن سؤال آخر يتعلق بمدى اتفاقهم مع اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للقانون. هنا يعبر 78,8 في المئة من الليبيين عن موافقتهم. بينما تصل النسبة في الجزائر إلى 62,9 في المئة. أما في المغرب فتتحدد في 54,9 في المئة. وحدهم التونسيون ظلوا أوفياء لرؤيتهم التي عبرت عنها أرقامهم السابقة. حيث لم تتجاوز نسبة المؤيدين لاعتماد الشريعة 23,4 في المئة.
دلالة هذا التناقض بين الرغبة في فصل الدين عن السياسة من جهة، والتشبث بالشريعة كمصدر للتشريع القانوني من جهة ثانية، يؤكد أن شعوب شمال إفريقيا ليست مؤهلة بعد للتعبير عن اختيار سياسي واضح، فهي تتوق للديموقراطية، وتؤمن بأن الشأن السياسي ينبغي أن يكون مستقلا عن الحقل الديني، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن ترفض التشريع الإسلامي كمصدر للقوانين. وهذه المفارقة تحكمها سياقات سيكولوجية وسوسيولوجية لها امتداد مباشر في الوجدان الروحي العام. لأن أغلب المستجوبين لا يستطيعون التعبير عن رفض الشريعة كمصدر وحيد للقانون، لأنهم يعتبرون أن مثل هذا الموقف لا ينسجم مع اعتقادهم الديني.
أرقامالإستطلاع المذكور تقول بأن 23,1 في المئة من المغاربة يرون أن على الأفراد (10,9 في المئة اختاروا صيغة: مواطنين، و12,2 في المئة استعملوا عبارة: مسلمين) أن يتدخلوا في حالة أية إهانة أو إساءة لمعتقداتنا الدينية. وعلى الرغم من أن هذا الرقم هو الأدنى بالمقارنة مع الأرقام المسجلة في الدول الأخرى، فإنه يحمل دلالة تفسر إلى حد ما تنامي بعض مظاهر " النهي عن المنكر" التي عرفتها بلادنا خلال الأشهر الأخيرة في كثير من الحالات تحت ذريعة الدفاع عن الأخلاق وحماية الأمن الديني للمغاربة. وارتباطا بالموضوع تشير النتائج إلى 6,9 في المئة من المغاربة الذين عبروا بوضوح عن تأييدهم للتفجيرات الإرهابية من منطلق أنها تعتبر دفاعا عن الإسلام. وهذا رقم مقلق يؤكد أن الفكر الداعشي موجود بيننا، وأن المجهود الأمني الذي أسفر خلال السنوات الأخيرة عن تفكيك عدد كبير من الشبكات والخلايا الإرهابية ينبغي أن يتواصل باليقظة ذاتها، مع التأكيد على أن المقاربة الأمنية وحدها لن تكون كافية بأي حال من الأحوال.