الربيع الذي أتى بالإسلاميين، ذبلت أوراقه و تساقطت، و أضحى الشحوب سمة من سمات المشهد السياسي المغربي، شحوب أظهر مكامن الخلل و أنذر بحراك يهدد السلم الإجتماعي في مملكة الإستثناء كما يسميها فقهاء القانون الدستوري المغاربة.


أزمة الطلبة الأطباء، حراك الشموع بمدن الشمال، ريع معاشات البرلمانيين و الوزراء ثم أزمة مرسومي الأساتذة المتدربين، فتحرك تنسيقية الأطر المعطلة في معركة الأمعاء الفارغة، كلها تمظهرات لأزمة بدأت تلوح في الأفق، تستوجب الحلحلة في أقرب الآجال.
غير أن هذه النضالات و المطالب تبقى عموما فئوية و تخص شريحة من المواطنين دون أخرى، في حين أن ملفا كبيرا و ضخما كملف تقاعد موظفي و عمال الوظيفة العمومية تم إغفاله و تناسيه رغم كونه مهما، إن لم يكن الأهم.
رجوعا إلى الأحداث و كرونولوجيتها، و كأي مشروع قانون، تستلزم المسطرة القانونية النقاش المستفيض و التشاركي بهذا الصدد، و بحكم الطابع الإجتماغي لهذا المشروع، يصبح الحوار الإجتماعي مع الفرقاء النقابيين و التمثيليات العمالية ضروريا لبلورة تصور مشترك، غير أن النقاش على مستوى هاتين الآليتين كان عقيما و قاصرا عن الخروج بنص توافقي، في مشهد أصرت فيه الحكومة على تنزيل عمودي لمشروعها، سندها في ذلك أغلبيتها البرلمانية ، المشروع الذي اعتبر استثنائيا، لا شعبيا و ترقيعيا.
في خضم هذا النقاش، اتهمت النقابات الحكومة بتنزيلها إصلاحا على حساب جيوب العمال و الموظفين، في حين أن الحكومة ترمي النقابات بعدم الجدية في الحوار، و الثابت في الأمر حسب الملاحظين و المتتبعين هو أن سياسة الحكومة في إصلاح التقاعد إسوة بسياساتها السابقة تعتبر مرتبكة و متخلفة و ترقيعية، تستفرد بالقرار بشكل منعزل و انفرادي خارج مؤسسة الحوار الإجتماعي، إصلاح كسابقيه لا ينطوي على رؤية بعيدة المدى و شمولية تروم القيام بإصلاح حقيقي.
أول النقائص في المشروع الحكومي لإصلاح التقاعد هو الإكتفاء بالوقوف على شأن الصندوق المغربي للتقاعد دون غيره من أنظمة المعاشات المدنية الأخرى، دون الذهاب إلى حد تشخيص الإشكاليات في شموليتها، و الأصل في الأزمة الخانقة هو ليس إلا النهب و الإختلاس و الفساد الذي شاب تدبير هاته الصناديق.
إذن، تحليلا للوقائع و رجوعا لنظام صناديق التقاعد، يبدو جليا أن المنخرط ظل يؤدي واجباته المالية بشكل منتظم و أن الدولة و الحكومات المتعاقبة هي المسؤولة عن الأزمة نظرا لعدم تأديتها مستحقاتها للصندوق، حيث أن متأخرات مساهمة الدولة في الصناديق تعود إلى سنة 1994، ناهيك عن سوء استثمار الإحتياطيات المالية للصندوق و استعمال جزء من موارد نظام المعاشات المدنية و لمدة طويلة لحل أزمات نظام المعاشات العسكرية، و رجوعا إلى نمط تدبير الإحتياطات يكفي أن نشير إلى الإستثمارات المبهمة لصالح صندوق الإيداع و التدبير من جيوب المنخرطين ثم العروج على أزيد من 3000 ملف خاص بالإختلاسات تمت إحالتها منذ عام 2000 على مصالح وزارة المالية دون أن تعطى نتائج التفتيش إلى حدود تاريخ كتابة هاته الأسطر.
• قراءة مبسطة في فمشروع الإصلاح .
لفهم جسامة الموضوع و خطورته على جيوب المواطنين و قدرتهم الشرائية يكفي أن نقوم بقراءة مقارنة بين القانون الجديد و القديم للوقوف على مكامن الخلل.
-أولا : رفع سن التقاعد من 60 سنة إلى 65 سنة تدريجيا ( 62 سنة بحلول الأول من يوليوز 2015، ثم الرفع بستة أشهر كل سنة حتى نصل إلى 65 سنة بحلول سنة 2021 )

-ثانيا : انتقال مساهمات الموظفين و العمال من 10% من قيمة الأجر حاليا، إلى 14% من الأجر على مرحلتين ( +2% في 2015 و 2% فيما بعد )
-ثالثا : تخفيض نسبة احتساب المعاش من 2,5% ءلى 2% ما يعني انخفاض قيمته.
-رابعا : احتساب المعاش على أساس متوسط أجر السنوات الثماني الأخيرة من الخدمة، عوض احتسابه على أساس آخر أجر.
• ما الذي تعنيه هاته الأرقام ؟
بكل بساطة، القانون الجديد ينص على الزيادة في نسبة الإقتطاع من الأجر، إضافة إلى الزيادة في سنوات العمل، مقابل معاش أقل!!
فما أصل هذا الإصلاح الغير مسبوق؟ وما مسوغاته؟ وكيف تم تمريره؟
للإجابة على هذه التساؤلات، من الضروري الرجوع إلى لحظة مفصلية في تاريخ الوظيفة العمومية، ألا و هي مشروع المغادرة الطوعية، حيث أن الهدف كان هو التقليل من الموظفين الصغارو النتيجة : مغادرة الأطباء و القضاة و الأساتذة الجامعيين و الأطر العليا، في حين بقاء الموظفين الصغار لأن العملية حسابيا تعتبر مخاطرة لا يجرؤون على خوضها، فاختل توازن الإدارة و شلت تماما و أصبحت معاقة، في مقابل تعويضات خيالية معفية ضريبيا للمغادرين من الأطر.
ارتباطا بموضوعنا، أثر هذا المشروع بشكل مباشر في نظام المعاشات حيث أنتج ثلاثة موظفين مساهمين في الصندوق مقابل متقاعد مستفيد واحد، في حين أن الوضع السابق كان مريحا بثمانية مساهمين مقابل مستفيد واحد، و هو ما عجل بعجز الصندوق و قصوره عن القيام بمهمته.
أما عن مسوغات هذا الإصلاح، فالسبب المباشر هو الضغوطات التي تمارس من طرف المقرضين الدوليين، هاته الضغوطات هي نفسها التي أملت إصدار المرسومين المشؤومين في قضية الأساتذة المتدربين، و بالتالي تنزيل تشريعات لا شعبية و بقرار منفرد، تمليها مصالح ماكرواقتصادية خارجية تقيد حكومة المملكة.
و أما عن تمرير هكذا قانون، دون تحليل لجملة الإختلالات التي ينطوي عليها، فهذا موضوع يبكي و يضحك في آن واحد، و من سخرية المشهد كون الرأي العام الوطني بكل مكوناته و فرقائه بدل أن يناقش مصير مليوني موظف و عامل، انصب كل نقاشه حول ريع معاشات ألف شخص و نيف، هم النواب و الوزراء، في تناس أو نسيان مريب لما هو أعمق و أخطر.
هل هذا التناسي عمدي و بسبق إصرار؟ أم أن الفايسبوك و الشبكات الإجتماعية ، بقصور "مناضليها" قانونيا و فكريا و معرفيا و منهجيا، هو سبب الإنقياد وراء الجزئيات و الملفات الفئوية، و إغفال ما هو أهم، ما يصيب جيب المغاربة في مقتل، و ما يدق آخر مسمار في نعش العامل و الموظف البسيط.
ثم أين النخبة المثقفة و التقدمية و الحداثية، لمواجهة ما يحلو لها تسميته "الظلام" في واحد من أكبر قراراته لا شعبية و تطرفا، أم أن النورالذي أشعله جيل السبعينات قد انطفأ دون رجعة..
هي مجرد أسئلة تتسلق الحلق، و لا مجيب..
في جملة : (المغرب هاد الأيام.. داير بحال شي عائلة.. باهم مسافر و هوما دايرين روينة.. فالدار) .