في وقت تنتشر فيه حالات السرقة في الشوارع العامة باستعمال الضرب و السيوف و الإهانة من قبل شماكرة الشارع، دون وجه حق، في غياب تام للأمن، مدينة الدار البيضاء و سلا نموذجا، و خير دليل، الشريط الذي انتشر سريعا باليوتوب، ظهر فيه شباب حاملين لسيوف يشرملون المرة ويسرقون حاجياتهم، و في وقت ظهر فيها لص حالف رجل أمن.. في هذا الوقت، تزايدت حالات التدخل للجهاز الأمني بشكل ملحوظ، وشملت مختلف الشرائح والفئات المتظاهرة في الشارع خصوصا المعطلين، بل إنها أحيانا لا تستثن الصحفيين الذين نالوا حقهم من الإهانة. الغريب في هذا الأمر أن مصدر العنف يظل شبحا في الدولة، حيث تصدر الأوامر لضرب المتظاهرين دون أن يُعرف بالتحديد من المسؤول عن ذلك، و في الغالب لا يعرف وزير الداخلية نفسه ما يجري بهذا الصدد، مما يعني أن شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي رفعه حزب الـPJD في العديد من لقاءاته قد يكون بلا معنى في حالة عنف المخزن الذي يتجاوز كل الحدود.

و في العودة إلى حراك 20 فبراير، مباشرة بعد الوثيقة الدستورية، فشلت إستراتيجية الدولة المتمثلة في الحفاظ على استقرار هش عبر تمرير الوثيقة الدستورية بالشكل الذي تم به ذلك، حيث كان رهان السلطة هو إنهاء التظاهر الذي انطلق مع أحداث الثورات في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
و لهذا حاولت السلطة أن تخمد جذوة الاحتجاج الشعبي عبر فبركة وثيقة دستورية وضعت لها خطوطا حمراء حتى لا تتجاوز الآليات التقليدية لعمل المؤسسات وفق المنظور الذي تمّ تكريسه منذ عقود.

و ما يتعرض له المعطلين، و ما تعرض له الطلبة الأطباء، و متظاهرين ضد شركة أمانديس بطنجة، يؤشر إلى وضعية اضطراب خطير في سلوك الدولة، حيث يعني من الناحية العملية أن لا شيء تغير من آليات السلطة المعتمدة، بينما السلطة تريد أن تظهر بمظهر من يسمح بالتغيير لكن في إطار استمرارية نفس الآليات السابقة، إقناع الناس، وإقناع نفسها بأن التغيير قد حصل وانتهى الأمر، وعلى الناس أن يخلدوا إلى السكينة، ويسلموا قيادهم للحكام الذين يسوسونهم بالحكمة والعدل، وهو للأسف منظور أبعد ما يكون عن الواقع.

تعتمد السلطوية على القرارات الفوقية غير القابلة للمحاسبة، وتبتعد عن المساطر المعتادة في النماذج الديمقراطية، كما تفضل الخرق السافر للقانون لأنها تتخذ خارج الحكومة والبرلمان، باعتبارها الأسلوب الوحيد لمواجهة احتقان الواقع وتسوية مشكل الاحتجاج، الذي يصرّ على الاستمرار، والذي يرجع في الواقع إلى انسداد الآفاق، وعدم الوفاء بالتعهدات، سواء منها تلك التي أخذتها الحكومة الشكلية على عاتقها، أو تلك التي تعدّ بمثابة شعارات عامة للدولة، بل وللمرحلة ككل.
لا شك أن سر الاستقرار في في الأمن و التنمية والبناء الديمقراطي، لكن من المخجل أن يتم تفريغ شوارع المدن من الأمن لصالح كلاب الشوارع، الذين يعرضون حياة الناس لخطر محدق بسبب الفراغ الأمني.
من جهة أخرى، ثمة فرق بين الاستقرار الحقيقي والاستقرار القسري، فالحقيقي يقوم على الترسيخ الديمقراطي وعقلنة تسيير المؤسسات، ومحاربة الفساد واحترام الحريات الفردية و الجماعية و القانون، وهي آليات دولة القانون، بينما يقوم الإستقرار القسري على عنف القبضة الحديدية الذي يجعل منه استقرارا هشا وغير منتج.