بديل ـ صلاح الدين عابر

منذ سنوات الثمانينات والتسعينات، حسم المغرب بشكل رسمي مع الوضعية الإقتصادية للبلاد،و منذُ ذلك الحين صارت وضعية المديونية جد حرجة فقد انتقل الدين العمومي الخارجي من 750 مليون دولار سنة 1970 إلى 17,24 مليار دولار سنة 1986، أي بزيادة بلغت 2300 في المائة، في ظرف 17 سنة. وفي سنة 1987 سيصل الدين العمومي الخارجي إلى 18 مليار دولار جاعلا من المغرب أحد البلدان الأكثر مديونية في العالم.

وانتقلت خدمة الدين من 1,6 مليار دولار سنة 1987 إلى 3 مليار دولار في 1990. وبلغ احتياطي الدين بهذا التاريخ عتبة 25 مليار دولار. هكذا صار المغرب يتخبط في ظل الأزمات الاقتصادية، وصارت البلاد تعيش على ايقاع سياسة ” الترقيع “و ارتفعت الأسعار وتزايدت التسريحات العمالية و الاقتطاع من الأجور للمضربين عن العمل، و انفتح المغرب على الوصفات الجاهزة المقدمة في إطار برامج التقويم الهيكلي من طرف صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، وهي الوصفات التي لم تكن ناجعة بل زادت الوضع تعقيدا وأدت إلى تركيز الرأسمال الأجنبي بالمغرب عبر سيطرته على كل القطاعات الحيوية للإقتصاد الوطني.

” النقابات الجادة ” أداة للتمرير

مؤخراً، جدد المغرب خط الاحتياط والسيولة مع صندوق النقد الدولي، وأوصى بإجراء ما وصفه بحوار اجتماعي ” عالي الجودة “ وهذا ما رأته منظمة آطاك المغرب التي تُعنى بمواجهة الهجوم نيوليبرالي ما يعني ” العمل على ضمان دعم قيادات المركزيات النقابية وأحزاب المعارضة البرلمانية ومنظمات "المجتمع المدني" حتى يتم تمرير هذه المخططات المدمرة وتفادي خطر الانفجارات الاجتماعية (الصدمات الداخلية) التي ستولدها “ .

في ذروة حركة الـ20 من فبراير، لم تندمج المركزيات النقابية في النضالات، التي دعت لها حركة الشباب، على الرغم من مُشاركة العديد من قواعدها، مكتفية بمساندة لفظية، مقابل تشبتها بالحوار الاجتماعي، الذي تجلت مكاسبه الاخيرة و القليلة، تحت ضغط الشارع وليس لجلسات حوارية بين النقابات و الحكومة.

فإذا كانت النقابات التي أشاد به ملك البلاد في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك و الشعب و وصفها بـ“ الجادة ” ، أداة لتمرير مخططات تقشفية سيتحمل تداعياتها عموم الشعب المغربي أكثر مما هو يُعاني اليوم، فلابد من النظر إلى السياسة البنيوية التي حتمت على  بيع البلاد بكل ما فيها  .

و على وزن ” البيع “ شرحت منظمة آطاك المغرب، عبر مسلسل من الأرقام التي تبدو صادمة، سيرورة رهن اقتصاد البلاد و بيع مصالحه العمومية ورهن مقدرات شعبه، و التي ترى أن الدين العمومي الداخلي للخزينة وصل مع متم 2012 إلى 376,8 مليار درهم، مقابل 331,3 مليار درهم في 2011، أي بنسبة ارتفاع بلغت 13,7 % ليمثل بذلك 45,5 % من الناتج الداخلي الخام. ما يقرب من 95 % من هذه الديون الداخلية تتم عبر إصدار سندات الخزينة، مما يعني أن الدولة تستدين من مواطنيها..! 

TGV.. ” الفيلة البيضاء “

رهن الإقتصاد الوطني، هو عملية كبيرة، تتجدد في كل فترة، وصلت مؤخرا إلى تراجع احتياطي المغرب من العملة الصعبة وتفاقم العجز في ميزان الأداءات بالإضافة إلى انعكاسات الأزمة العالمية وما خلفته من تراجع صادرات المغرب في العديد من القطاعات وتراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، واختارت منظمة آطاك المغرب، ان يكون قطار الفائق السرعة ” TGV“ نموذج لمشاريع تشبه إلى حدّ كبير ما كان يُعرف بـ "الفيلة البيضاء" في فترة أزمة المديونية لسنوات الثمانينات، و هو بالنسبة للجمعية واحد من المشاريع التي تمخضت عن تقشف اقتصادي ورهن السيادة، عبر تمويله عن طريق ” المديونية “ بنسبة فوائد خيالية يؤدي ثمنها المغاربة، في مشروع لا يُفيد في أيّ عملية يمكنها ان تنهض بالمجتمع و الوضع المزري، في ظل غياب المستشفيات و المدارس التعليمية، و هو مُعطى بحسب حملة كانت انطلقت في الأشهر الماضية ضد قطار الفائق السرعة.

وبحسب منظمة آطاك المغرب، للخروج من هذا النفق ومن هذه الحلقة “ المفرغة للمديونية” يجب تعليق سداد خدمات الدين (مع تجميد الفوائد) وإجراء تدقيق نزيه وشامل لمجموع الدين العمومي المغربي (الداخلي والخارجي) من طرف لجنة مستقلة، بمشاركة خبراء دوليين، وإلغاء الديون العمومية غير الشرعية والكريهة، و هو ما ينص عليه نداء كانت اطلقته ذات الجمعية .