أحمد عصيد

في وقت أصبح فيه العالم معبأ لمواجهة التطرف الإسلامي الذي غدا كارثة معولمة، وفي الوقت الذي انهارت فيه بلدان بكاملها وأصبحت عرضة لخراب شامل مثل العراق وسوريا بسبب الاستبداد السياسي والطائفية وسُعار التطرف وجرائم القاعدة وأخواتها، وفي الوقت الذي أصبح فيه "الجهاد" إيديولوجيا عابرة للقارات بفتوى "علماء الأمة" الذين أجمعوا في مؤتمر إسلامي على ذلك وأقروه ونادوا به وحثوا عليه بدون خجل أو وجل أو تأنيب ضمير، يخرج علينا وزيران من وزراء حزب المصباح (السيد باها والسيد الشوباني) ليحذرا من "التطرف الأمازيغي"، هذا الأخير الذي لم يقتل أحدا حتى الآن ولم يضع لوائح اغتيالات، ولم يُدخل سلاحا إلى البلاد، ولم يُنظم خلايا إرهابية، ولم ينفجر باسمه أحد في المقاهي والفنادق، ولم يَعِد الناس بالجنة بعد الانتحار، ولم يعتبر المرأة عورة ويقف ضدّ حقوقها، ولم يرَ اغتصاب القاصرات زواجا مباركا، ولم يعتبر الديمقراطية "كفرا" وقيما غريبة عن "تقاليدنا العريقة"، مشكلة الأمازيغ فقط أنهم لا يتفقون مع حزب المصباح ومن والاه، في السياسة وفي الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الديمقراطية، وأنهم يمثلون الأصالة المغربية الحقيقية التي يريد المتطرفون الدينيون احتكارها باسم الوهابية السعودية تارة والفكر الإخواني المصري ـ القطري تارة أخرى.

هل يتمتع الوزيران بمصداقية تسمح لهما بإعطاء دروس ضدّ التطرف ؟ فأحدهما ما فتئ يشير على رئيس الحكومة بأسوأ الاختيارات التي تسير بالبلاد نحو الهاوية، والثاني خرج لتوه من فضيحة فتوى لباس الصحافيات، التي لا تعبر فقط عن مقدار تطرف الوزير، بل أكثر من ذلك عن حاجة الحكومة إلى وزراء حقيقيين.
ما هي مظاهر التطرف الأمازيغي حسب الوزيرين ؟ ومن هم المتطرفون الأمازيغ الذين تحدثا عنهم ؟ لنقم بمناقشة الوزيرين في ادعاءاتهما، وليكن ذلك من أجل إدماجهما في نقاش لا يبدو أنهما يسايرانه أو يعرفان منطلقاته ومفاهيمه وأبعاده.

لم يذكر الوزيران اللذان كانا يتحدثان في جمع تأسيسي لجمعية تابعة لحزب المصباح، والتي سموها "رابطة أمازيغية" ، (مع العلم أن الجمعيات الأمازيغية تنتمي منذ نصف قرن إلى المجتمع المدني المستقل عن الأحزاب وعن السلطة)، لم يذكرا أسماء المتطرفين الأمازيغ، بينما ذكر السيد باها من مظاهر

التطرف أن الأمازيغ يقولون إنهم "شعب أصلي"، ويا له من تطرف !! بل إن السيد باها قال إنه "يشعر بالإهانة من الطريقة التي يقدّم بها بعض الأمازيغ أنفسهم، والذين يصوّرونهم على أنّهم هم الشعب الأصلي، مثل الهنود الحُمْر". الحقيقة أنني كلما سمعت باها يتكلم تبادر إلى ذهني سؤال إن كان الرجل قد سبق له أن فتح كتابا ونظر فيه، فالشعوب الأصلية لها إعلان عالمي أصدرته الأمم المتحدة، والأمازيغ المغاربة يعتبرون الشعب المغربي أمازيغيا كله، أي أنه كله "شعب أصلي"، ولا وجود لأقلية أمازيغية، إلا ما كان من سياسة الدولة التي عاملتهم طوال نصف قرن كما لو أنهم أقلية مضطهدة، ولست أدري ما هي الوثائق التي اعتمدها السيد باها الذي يبدو أنه بحاجة إلى دورة تكوينية حول خطابات المجتمع المدني المغربي.

إننا نحن أيضا معشر الأمازيغ نشعر بالإهانة أن نرى من ينسب نفسه للأمازيغية يجتر كلام أسياده القطريين والسعوديين الأجانب، متناسيا ثقافته المغربية الأصيلة العريقة، ثقافة أجداده الذين لم يكونوا قط يفهمون الإسلام فهم الإرهابيين والعشائر البدوية الخليجية.
يعارض الإسلاميون أفكار الفاعلين الأمازيغيين لمدّة غير قصيرة، وعندما تصير تلك الأفكار واقعا ملموسا لا يجدون بدا من الالتحاق بالركب، محافظين رغم ذلك على بعض ماء الوجه، باستنكار "التطرف الأمازيغي"، الذي لا يعطون أي دليل عليه.
أذكر باها ورفيقه بأن جميع المعارك التي خاضها تيارهما ضدّ الأمازيغية باءت بالفشل:
ـ عارض الإسلاميون تدريس الأمازيغية التي اعتبروها "مؤامرة استعمارية" وإعادة إنتاج لـ"الظهير البربري" سنة 1995، وكان أن أدرجت الأمازيغية في التعليم سنة 2003.

ـ عارضوا حرف تيفيناغ سنة 2002، وسماه بعضهم "حرفا وثنيا"، وبعضهم "حرفا فينيقيا"، واتهموا الأمازيغ بالولاء للخارج، وهدّدوا بالنزول إلى الشارع في حالة عدم تبني الحرف العربي لتدريس الأمازيغية، وتم ترسيم حرف تيفيناغ سنة 2003، واستعمله حزب العدالة والتنمية في ترجمة وكتابة قانونه الأساسي، واستعمله في مؤتمراته، وفي حملته الانتخابية سنة 2011.
ـ عارضوا أي تعديل لمدونة الأسرة وشنوا حملة شعواء ولا أخلاقية على خطة إدماج المرأة في التنمية، وتم تعديل المدونة سنة 2004.
ـ عارضوا ترسيم اللغة الأمازيغية سنة 2011، ونادوا بـ"لغة وطنية" حتى تظل خارج المؤسسات، فتم ترسيم الأمازيغية هوية ولغة في نفس السنة.
ـ عارضوا حرية المعتقد في الدستور ثم عادوا وتبنوها في أرضية مؤتمرهم بعد ذلك.
ـ عارضوا تعديل قوانين تبرير الاغتصاب والتمسوا لذلك أعذارا مضحكة ولا إنسانية، فتم تعديل المادة القانونية المبررة للاغتصاب والداعمة لتزويج المغتصبات.

ـ شككوا في المرجعية الدولية المطالبة بإلغاء جميع أنواع الميز ضد النساء، متذرعين بـ"الخصوصية الإسلامية"، فتم رفع المغرب لجميع تحفظاته على (سيداو)، والمصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
ـ هددوا بمنع أفلام سينمائية وبالتحكم في الإنتاج التلفزيوني والفني، فازدادت إبداعية المغاربة وفاز الكثير من المبدعين بجوائز وطنية ودولية.
من المتطرف ؟ هل الذي يطالب بحقه أم الذي ينكره عليه ويسعى جاهدا لكي لا يناله ؟
ما أكثر ما تتلون وتنقلب هذه "المرجعية الإسلامية" كما يفهمها حزب المصباح، فهي تعارض الشيء وتحاربه ثم تجد كل المسوغات لقبوله عندما لا تجد بدا من ذلك.
أشعر بالشفقة على الإسلاميين، إنهم كمثل من يتاجر ببضاعة ما يحتكرها، فيخشى أن يكتشف الناس أنها نسخة زائفة لبضاعة أصلية تتوفر بالمجان للجميع.

لقد قال السيد باها كلاما صحيحا وهاما لكنه لم ينتبه إلى أنه يصفع به نفسه قبل غيره، عندما أعلن :"من يحاول أن يتحكّم في المغاربة أو يتدخّل في حرّياتهم يتحطم". إذا كان الرجل يعني ما يقول ويفهم أبعاده، فلن تكون هناك مشكلة قط مع السيد باها ومن معه. فالأمازيغ هم "الأحرار"، والتاريخ يعطي دروسا كثيرة في هذا الباب.

أما عن كلمة السيد الشوباني ورسائله الموجهة إلى التنظيم الوليد، التابع للحزب العتيد، فسيكون من باب الصدق والمكاشفة أن نخبره بأن الأمازيغية تستعصي على الاحتواء والتحريف، ونتركه لضميره وللزمن الذي هو كفيل بتعليمه.
تذكير: ذكر السيد باها القائد العسكري "موسى بن نصير"، معتبرا أنه لم يأت محاربا أو مستعمرا بل جاء بالدين الإسلامي، أدعوه وأدعو القراء إلى قراءة متمعنة لتاريخ المغرب خلال مرحلة الحروب بين الأمويين والأمازيغ، وتدقيق أخبار هذا القائد العسكري، وإفادتنا بعد ذلك بتفسير ما فعله بطارق بن زياد، وما فعله به هو نفسه الخليفة الأموي، وأسباب نهايته المأساوية.