مصطفى المريني

يبدو الجيش والقضاء والفقهاء في مصر هذه الأيام، متحالفون بل ومتفقون على تنفيذ خطة جهنمية واحد ألا وهي:"وأد جماعة الإخوان المسلمين"،لأنها بنظرهم على الأقل "منظمة إرهابية"، ولذا وجب إجتثاث أنصارها من فوق الأرض وطمرهم تحت الثرى،لتخليص الناس من شرورهم، ومن ثم فتح الطريق أمام "المخلص" الذي سطع نجمه في سماء المحروسة فجأة، لينقذها أهلها من ظلم الإخوان الذين سطوا على مقاليد الدولة ذات ربيع "أخرق" ،وطفقوا يغيرون في هوية الدولة المصرية كيف يشاءون؟ !

ومن أجل تنفيذ هذه الخطة الجهنمية، وزعت المؤسسات المذكورة -الجيش والقضاء والفقهاء- الأدوار فيما بينهما بعناية فائقة، لأداء هذه المهمة "الوطنية والتاريخية"!، كما يسميها الحاكمون الجدد،لإستئصال شأفة جماعة الإخوان وقطع دابر أنصارهم بأسرع وقت ممكن، تمهيدا لتنصيب الفريق عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر على أنقاض الرئيس الإخواني المطاح به محمد مرسي.

ولذلك تبدو المؤسسات المذكورةهذه الأيام ،وكأنها في سباق مع الوقت،حيث تبدي حماسا منقطع النظير،وذلك حسب دور كل مؤسسة على حدة،فبقدر ما يمعن الجيش والأمن في إقتياد مزيد من رؤوس أنصار جماعة الإخوان المسلمين والدفع بهم إلى عتبات المحاكم،لا يتوانى القضاة في إصدارصكوك الإدانة الجاهزة في حق الموقوفين،والتي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة"جزالرؤوس"= الإعدام،وغالبا ما تشمل هذه الأحكام القاسية واللاإنسانية عشرات بل مئات الموقوفين، ويصدرها في الغالب قاض واحد في جلسة واحدة، وفي وقت قياسي ودفعة واحدة وكأن القضاة في عجلة من أمرهم.

وفي هذا الإطار أصدرت محكمة واحدة في القاهرة أمس فقط ركاما من أحكام الإعدام في حق قادة وأنصار جماعة الإخوان،بلغت في المجمل زهاء 700حكم إدانة بالإعدام،ويوجد بين المحكومين مرشد الجماعة محمد بديع.أما التهم كما هي متوقعة فهي القتل والشروع في قتل ضباط شرطة، وهي الأحكام التي لا يتورع فقهاء الأحكام السلطانية عن تزكيتها،رغم أنه في ظل الفوضى الصارخة التي تشهدها مصر منذ تفجر أحداث 25 يناير وما تلاها يصعب فيها على أمهر المحققين تمييز أدلة الإدانة بشكل واضح، وتعيين المعتدي من المعتدى عليه،فضلا عن أن القضية تقتضي وقتا كافيا للبحث والتحقيق في الملابسات والوقائع،ناهيك عن تمكين الموقوفين من ضمانات المحاكمة العادلة،وما يقتضيه ذلك من مرافعات وشهودإلخ..

لكن يبدو أن هذا الترف لا يشغل بال الجيش ولا القضاء الذي رضي جزء كبير منه باستعمال سمعته في قضايا بدأت سياسية وإنتهت جنائية،وما كان على القضاء المصري الذي سجل في الماضي صولات وجولات في نصرة الحق والدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية للممواطنين في وجه حكام مستبدين أن يضحي برصيده هذا في فتنة سياسية قصمت ظهر الفرقاء في مصر المحروسة،وحتما سينجلي ليلها عاجلا أم آجلا وتظهر تفاصيل كثيرة، وحينئذ سيكون عذر القضاء المصري أقبح من الزلة التي إنزلق إليها.وسيظهر أمام الشعب كما لو كان آلة صماء في يد الجيش ،وليس سلطة دستورية تتوج هرم السلط في الدولة.

والأدهى أن القضاء المصري ساير ويساير بشكل غريب شهية الثأر التي إستعرت في قلوب ممثلي الدولة العميقة في مصر، وكذا بقايا فلول عهد مبارك الذي أطاحت به ثورة 25 يناير ممن ظلوا يكنون العداء لجماعة الإخوان ،وآية ذلك عشرات بل مئات احكام الإعدام التي ما يفتأ القضاء يصدرها ضد المحالين إليه من طرف الجيش والأمن في قضايا سياسية في جوهرها.فبدا بذلك متحيزا بل ومناصرا للوضع الجديد الذي أوجده الجيش في 30يونيو،مع أن دوره كسلطة قضائية هو حماية الشرعية الديستورية ،وتطبيق القانون بلا زيادة ولا نقصان.

وقد هالني شخصيا ،جرأة بعض القضاة المصريين الذين لا يتورعون عن إصدار أحكام الإعدام في حق الموقوفين من طرف الجيش والأمن ،بدون أن يأخذوا الوقت الكافي لإجراء التحقيقات الكافية والتاكد من التحريات والمحاضر التي يحيلها عليهم الضباط والشرطة القضائية،وبدون أن يمكنوا الموقفين من الدفاع عن أنفسهم والإستماع إليهم كما يجب،فالأمر ليس لعبا أو لهوا وإنما هو أمر جلل يتعلق بأرواح بشر كرمهم البارئ سبحانه ،ومنع إزهاق أرواحهم إلا بالحق.فأين الحق في هاته الفتنة الهوجاء التي تجتاح بر مصر؟ !

ألم يكن من الأجدى بقضاة مصر في هذه الفتنة التي إختلط فيها الحابل بالنابل والحق بالباطل الإنتصار لمنطق العفو،إعمالا للأثر الكريم"لأن تخطئ في العفو خير من تخطئ في العقوبة"،وبالتالي ترك الباب مواربا أمام مصالحة وطنية يدعى للمشاركة فيها جميع أطياف المجتمع المصري،لبناء تعاقد إجتماعي وسياسي جديد،يتجاوز الأخطاء التي أدت إلى هذه الفتنة ،ويؤسس لبناء مستقبلي جديد قوامه دستور ديموقراطي يكرس الحريات والحقوق الأساسية ،و يفصل بين السلط وينتصر لمفهوم المواطنة وللقيم الإنسانية كما هي معطاة في المواثيق الدولية.

أليس هذا هو المخرج المنطقي الذي يفترض أن يتجند له عقلاء مصر ويمهدوا له الأسباب ،حتى تصفو النفوس وتهدأ الخواطر ويتصالح الناس، وعندئذ يمكن أن يذهب الجميع مرة أخرى إلى إنتخابات نيابية ورئاسية،يختار فيها الناس رجلا رشيدا يحكمهم على قاعدة دستور ديموقراطي لا يملك أن يغير الحاكم فيه شيئا إلا بإستفتاء الشعب، وتوافق مكونات المجتمع المصري.وقد يكون هذا الرئيس بعد ذلك هو نفسه المشير عبد الفتاح السيسي بعد أن يخلع بزته العسكرية إذا رضي به الناس في إطار إنتخابات ديموقراطية ،تنافسية وشفافة.لكن للأسف لا يلقى هذا المسار مؤيدين ضمن جوقة الماسكين بمقاليد الأمور في مصر هذه الأيام،لأنه قد يربك كثيرا من حساباتهم ،ويقلب الأمور رأسا على عقب،لذلك يستعجلون الأيام ليفرغوا الساحة من المنافسين ثم يكرسوا بعد ذلك أنفسهم حكاما جدد على الناس.

بيد أن الغريب في كل هذا هو هذا التحالف السوريالي بين الجيش والقضاة والفقهاء رغم ما يفترض من إستقلالية بين هذه المؤسسات وتباعد بين خلفياتها،فلئن كان الجيش معروف بصرامته وتجاوزاته أحيانا، فإن القضاء يتميز برزانة أحكامه وعدم إندفاعه، بينما الفقهاء ملزمون بالمقاربة والتسديد و"درء الحدود بالشبهات"، لذلك فإن هذا التحالف الذي نشأ بين هذه المؤسسات في مصر في هذه الظروف هو أدعى للريبة.حتى على فرض صواب أحكام هذة المؤسسات ومواقفها ضد جماعة الإخوان، "وهذا ممايطول شرحه"،ل أن ليس هذا ما يهمنا تحديدا، إنما قصدنا هوأن دورهذه المؤسسات،وخاصة مؤسسة الفقهاء في مثل هذه الفتن، هو التثبت والوساطة والصلح والدعوة إلى الحفاظ على بيضة الأمة، وليس مسايرة كل حاكم متغلب. وكذللك القضاء دوره هو التأني والبحث عن الأدلة الكافية وإنصاف المظلومين وإحقاق الحق، وليس مسايرةشهوات الجيش في السلطة والتحكم.