بديل - صلاح الدين عابر

ساعات قليلة تفصل المغاربة عن ذكرى هزت عرش المملكة بشكل لم تهزه حتى أسوء الانقلابات التي عرفتها البلاد على يد الجيش، إنها ذكرى فضيحة العفو الملكي على المجرم الإسباني دانيال غالفان، مغتصب الأطفال المغاربة الإحدى عشر، المنحدرين من نواحي القنطيرة.

في ساعات معدودة أصدر الديوان الملكي ثلاثة بيانات في الموضوع وهي سابقة لم تحدث حتى في أحلك الظروف التي مرت منها البلاد، بل واستقبل الملك عائلات الضحايا وجالسهم مُواسيا ومُجبرا ضررهم ماديا بعطايا ظلت قيمتها طي الكتمان، قبل أن يسقط الملك واحدا من أبرز رؤوس مملكته، وهو حفيظ بنهاشم، المدير العام لمندوبية السجون، بعد ان أفضى التحقيق الذي امر به الملك إلى تحميله كامل المسؤولية في وقوع الفضيحة.

من هو كالفان؟ ومن هم ضحاياها؟ وكيف انكشف امره و جرى العفو عنه؟ ثم كيف استقبل المغاربة القرار الملكي؟ وكيف عالج القصر الأزمة؟ 

هكذا فُضح المجرم

2010، مدينة القنيطرة تهتز على وقع فضيحة أخلاقية غير مسبوقة، مسن اسباني يغتصب العديد من الاطفال المتراوحة اعمارهم بين 10 سنوات و15 سنة، بمنزله بتجزئة الشعبي في مدينة القنيطرة.

اعتقل المجرم الإسباني بامر من النيابة العامة بمنزله، من طرف مصالح الشرطة القضائية، كما تمت إحالة 12 طفلا قاصرا من بينهن 9 فتيات تبلغ أعمارهن ما بين 10سنوات و 14 سنة على المركز الاستشفائي الإدريسي بمدينة القنيطرة من أجل إجراء خبرة طبية، حيث أثبتت الفحوصات الطبية تعرض الفتيات جلهن إلى الاغتصاب من قبل المتهم الاسباني الذي يبلغ من العمر 60 سنة.

وتعود فصول هذه القضية لمدة تفوق 14 سنة، عندما كانت تعمل إحدى الخادمات تبلغ من العمر 14 سنة والمنحدرة من مدينة سيدي يحيى الغرب بمنزل المتهم، حيث تم التغرير بها عبر ربط علاقة جنسية غير شرعية موهما إياها بالزواج و تهجيرها نحو الديار الاسبانية. وفي إحدى الليالي حاول الاعتداء عليها كرها رفقة أخت لها تصغرها سنا، مما حدا بهما إلى الفرار وطرق باب إحدى الجارات التي قامت بنقلهما إلى أقرب دائرة أمنية، غير أن الملف تم طيه بصورة غامضة. واستمر الاسباني في نهج نفس الأسلوب من أجل الإطاحة بفتيات قاصرات ينحدرن من نفس أسرة الخادمة كن يترددن على منزله للخدمة وقضاء نزواته الجنسية الشاذة.

بالصدفة انكشفت جرائم هذا الاسباني المتقاعد والذي كان يعمل أستاذا جامعيا في جامعة مورسيا، عندما أقدم على الاتصال بأحد جيرانه وطلب منه البحث عن مفتاح (usb) في كيس بلاستيكي متواجد بدرج مكتبه وإحراقه بعد العثور عليه. غير أن الفضول جعل جاره يحتفظ به لأزيد من سنة ليكتشف رفقة أحد أصدقائه بعد استعمال المفتاح الذاكرة في أحد الحواسيب صورا فاضحة للمتهم الاسباني وهو يمارس الجنس على قاصرات، والمفاجأة الكبرى هو أنه وجد صورة لابنته القاصر. آنذاك توجها معا إلى أحد المحامين وتم تقديم الملف للوكيل العام للملك.

الفضيحة...

أعلن الديوان الملكي عشية عيد العرش من السنة الماضية عن عفو الملك على لائحة كبيرة من المدانين،

لعبت الصحافة المغربية دوراً هاماً في تفجير فضيحة عفو الملك محمـد السادس عن " دانييال " إذ داع الخبر كالنار في الهشيم، وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعية و نشطاء الفيسبوك و تويتر، لم تكن سوى أقل من 24 ساعة لتشعل غضب المواطنين المغاربة و النشطاء الذين دعوا إلى مظاهرات في كل المدن المغربية احتجاجاً على قرار العفو الملكي عبر دعوة فيسبوكية وصلت في وقت وجيز إلى سبعة الالاف مُشارك.

واكبت الصحافة المحلية و الدولية هذا الحدث، و تناقلت ايضا خبر " الملك خوان كارلوس " الإسباني الذي شكر محمـد السادس عن مبادرته للعفو 48 سجنياً اسبانياً.
"ليس لدي تعليق حول الموضوع، و قرار العفو اتخذ في سياق العلاقة بين ملكين" بهذه العبارة صرح وزير العدل و الحريات مصطفى الرميد لوكالة "فرنس بريس" وفي نفس اليوم

نشرت مصادر صحفية مغربية، نقلا عن مصادر من وزارة العدل المغربية، كون مصالح الوزارة قد نبهت الديوان الملكي إلى وجود اسم مغتصب الأطفال، ضمن لائحة العفو، لكن التعليمات صدرت بعدم مناقشتها.

وفي 01 غشت، نفي الناطق الرسمي بإسم الحكومة " مصطفى الخلفي " وهو من نفس حزب وزير العدل " العدالة و التنمية " ، علمه بقرار العفو و يعلم بترحيل دانييل غالبان خارج المغرب.

وفي اليوم الثاني من شهر غشت، تفاجأ الجميع ببيان لوزارة العدل و الحريات المغربية منشور على وكالات الأنباء الأجنبية دون الرسمية يكذب أولهما الخبر المنشور في 1 غشت المتعلق بتنبيه الديوان الملكي، و يشير الثاني إلى أن قرار العفو "قرار ملكي أملته مصالح وطنية" و إلى كون دانييل غالبان "قد تم ترحيله و منعه من دخول البلاد نهائيا"، حسب منطوق البيان.

ونشر آنذاك موقع " لكم " رواية يذكر فيها أن علي الهمة مستشار الملك محمد السادس تسبب في فضيحة العفو عن مغتصب الأطفال عبر تدخله لكي يتسبب في مرور اسم " دانييال " في لائحة المُعفى عنهم.

بداية الاحتجاجات الشعبية

بعد موجة من التصريحات و التبريرات، خرج الالاف من المغاربة في كل من تطوان و طنجة و الدارالبيضاء ومكناس و فاس ومراكش و آسفي لتنديد بقرار الملك محمد السادس، و لُوحظ لأول مرة مُشاركة فنانين ومشاهير مغاربة لم يظهروا حتى في ذروة حركة 20 فبراير و احتجاجات الربيع العربي، ووُجِهَتْ الوقفات الاحتجاجية بإنزالات أمنية مكثفة و بتدخلات عنيفة للقوات الأمنية. أسفرت أولى أيام الاحتجاجات عن اعتقال مجموعة من النشطاء السياسيين بتطوان، منتمين إلى حركة 20 فبراير، أطلق سراحهم في نفس اليوم.

بلغ القمع ذروته مساء 2 غشت بالرباط، حيث أسفر تفريق الوقفة الاحتجاجية، عن جرح و إصابة العشرات، من ضمنهم صحفيون و مشاهير و فنانون و رئيس الجمعية المغربية لحقوق الانسان " خديجة الرياضي " آنذاك.

و في 3 غشت 2013 اصدر القصر الملكي بيانا يشير إلى عدم علم الملك بخطورة الجرائم التي تمت على أساسها محاكمة دانييل غالبان، و يأمر فيه بفتح تحقيق من أجل تحديد المسؤوليات و يعطي فيه التعليمات لوزارة العدل من أجل اقتراح إجراءات لتقنين شروط منح العفو.

تلقى العديد من المغاربة هذا البيان بترحيب كبير لكن آخرين تلقوه باستغراب شديد أبرزه الأمينة العامة للحزب "الإشتراكي الموحد" نبيلة منيب حين تساءلت في حوار مصور مع موقع "لكم" :إذا كان الملك لا يعلم فمن يدير دواليب الدولة"؟

وفي نفس اليوم، تجددت المظاهرات في مناطق أخرى من المملكة، إلا أن وثيرة القمع انخفضت في حالات مدن الجديدة و أكادير، و وصلت الاحتجاجات الى باريس ايضا حيث خرج المئات من المغاربة أمام السفارة المغربية لتنديد بالقرار الملكي.
القصر يتراجع..
في الرابع من غشت، أصدر القصر الملكي بيانا آخر، يسحب من خلاله الملك محمد السادس العفو الصادر لأجل دانييل غالبان، و يأمر فيه وزير العدل المغربي بتدارس كيفيات أجرأة السحب مع نظيره الإسباني.

وفي اليوم الموالي، حمل القصر الملكي مسؤولية فضيحة العفو للمندوب العام لإدارة السجون و إعادة الإدماج، حفيظ بنهاشم، و يأمر فيه بإقالته.

وفي اليوم ذاته خرج وزير العدل و الحريات مصطفى الرميد في تصريح للقناة الثانية، يُعلن بأن وزارته ستفتح تحقيقا حول تعنيف المحتجين يوم 2 غشت 2013، دون أن ترى النور نتائج هذا التحقيق لحد الساعة.

واعتقل أخيراً، " دانييال غالبان " في "مُرسية" و حُبس احترازيا إثر قرار من القاضي الإسباني فيرناندو أندريو.

بعد ذلك استقبل الملك محمد السادس، آباء و أسر الأطفال الضحايا. و خلال نفس اليوم نظمت مجموعة من الوقفات الاحتجاجية بمدن الدار البيضاء و الجديدة و بني ملال و وزان و طنجة و ورزازات و مراكش. لم تواجه الوقفات قمعا أمنيا، رغم الإنزال الأمني الكثيف.

" مَافِيرَاسُوشْ ".. لا يعلم شيئاً !

لأول مرة على عهد الملك محمد السادس يجد نفسه وجها لوجه مع الشعب، بل و بصيغة " الهشتاغ # " او " الوسم " استخدم النشطاء المغاربة كلمة من الدارجة العامية، للتهكم على قرار الملك، و هي كلمة تعني " لا يعلم شيئاً " في اشارة لبين القصر الذي قال إن الملك لا يعلم بقضية مغتصب الأطفال وظل هذا "الوسم" يتم اسقاطه على كل القضايا الاجتماعية و السياسية و وصل إلى النخبة السياسية حيث علقت الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد عن القضية، قائلة: "السلط كلها مركزة بيد الملك، والملك يتكلم في خطاب العرش بصيغة الموجه الذي يحمل تصورات ويعطي التعليمات وعندما يأتي ملف بهذه الخطورة يقولون مافيخبارناش فمن يدير دواليب الدولة؟"

وبحسب مراقبين مغاربة، فإن فضيحة العفو عن مغتصب الاطفال ساهمت في تسليط الضوء على اختلالات السلطة السياسية بالمغرب، و التي تجلت في انكشاف استمرار تدخل المحيط الملكي في العمل الحكومي، بعد دستور 2011، و في استمرار حيز كبير من السلط و المساطر، داخل المجال الملكي، وبالتالي خارج دائرة المساءلة، و خصوصا تلك المرتبطة بالعدالة و السياسة الخارجية و الأمن القومي.

تسببت الأزمة في إحراج كبير لصورة الملك محمد السادس، داخليا، حيث لم يسبق أن تعرضت سلطاته للمساءلة، بطريقة مباشرة، و بزخم شعبي مماثل، منذ احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011.

ومن جانب أخر، ودائما بحسب مراقبين مغاربة، أثبتت قضية دانييل يقظة كبيرة للمجتمعين المدني و السياسي المغربيين، و قدرتهما على التعبئة السريعة لحركات احتجاجية ممتدة على مجموع التراب المغربي، و خصوصا حركة 20 فبراير و الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و أحزاب الاشتراكي الموحد و الطليعة و النهج. بالمقابل، عرفت الأزمة غيابا للأحزاب التقليدية، المشاركة في الحكومة أو المعارضة، عن الحراك الاحتجاجي، أو حتى على مستوى تسجيل المواقف، خلال الأيام الأولى للأزمة، و كانت مواقفها، التي تلت البيان الملكي الأول، سواء تلك المتعلقة بجوهر القضية أو بالتعنيف الذي طال الاحتجاجات، محتشمة و مكتفية بالإشادة بالبيانات الملكية، أو محملة حكومة بنكيران المسؤولية السياسية حول تدبير الملف.

كانت القضية أيضا اختبارا لمصداقية بعض مكونات المجتمع المدني المغربي من جمعيات حماية الطفولة و مثقفين و فنانين لم يسجلوا أي موقف ضد العفو الملكي، و في هذا الإطار،تعرضت جمعية "ماتقيش ولدي" لانتقاد شعبي كبير، بسبب دفاع رئيستها نجاة أنور عن العفو الملكي، في مرحلة أولى قبل أن تنوه "بالتفاعل الإيجابي للملك" إثر إلغاء العفو.

والبعض، رأى، أن العدالة و التنمية، تخلت عن المؤسسة الملكية في وقت محنتها، إذ كانت تصريحات الوزيران " " الرميد و الخلفي " ليست في صالح القصر، و إنما اشارت لإتهامه و تورطه.

السؤال الذي ضل معلقا في هذه القضية هل يتحمل بنهاشم وحده المسؤولية؟