عبد الله أفتات

انتبهت السلطة في المغرب مبكرا لأهمية الصحافة الإلكترونية وسرعة انتشارها وعدد زوارها وكيفية تأثيرها في الرأي العام متجاوزة بذلك التعبيرات الإعلامية التقليدية خاصة الورقية التي بدأ انحسارها باديا للعيان في السنوات الأخيرة بشهادة التقارير السنوية للجهات المتخصصة خاصة الأرقام الأخيرة لسنة 2013 التي نشرها موقع "أوجيدي" للتحقق من الانتشار، والذي من خلاله فقدت العديد من الصحف الوطنية الكبرى بريقها، وأصبحت أرقام مبيعاتها تتراجع كل سنة لدرجة أن هناك من المتخصصين من توقع ليس فقط تراجعها بل تحولها من الورقي إلى الإلكتروني خلال السنوات القليلة القادمة، وهو ما بدأت تدريجيا تتجه نحوه العديد من الأقلام المغربية، ليس فقط بسبب ما أشرنا إليه لكن أيضا بسبب الهامش الكبير من الحرية الذي لا زالت تتشبث به الصحافة الإلكترونية رغم كل الإكراهات والمضايقات والمحاكمات .

لكل ذلك وغيره عملت السلطة على التدخل المباشر وغير المباشر في الصحافة الإلكترونية بل أصبحت فاعلا حقيقيا داخل هذا الحقل منذ بداية الحراك الشعبي الذي يشهده المغرب منذ بداية سنة 2011، وهو على مستويين :المستوى المباشر من خلال إنشاء مواقع إلكترونية تسيرها شخصيات تحركها السلطة كيف ما شاءت، وهذه بعض مميزاتها .
ـ إمكانات مالية ضخمة، فأعضاء هيئاتها التحريرية يتقاضون أجورا ممكن أن نقول أنها تتجاوز بكثير زملاء الصحافة الورقية أو السمعية البصرية، فزميل لنا عرض عليه العمل بأحد تلك المواقع بمبلغ محترم بالإضافة إلى سكن وهاتف، هذا فضلا عن مقاراتها التي تضاهي مقرات كبريات الصحف والمجلات ذات الاستثمارات الضخمة، رغم أن عائداتها الاشهارية والإعلانية متواضعة .

ـ خطها التحريري يتميز بمهاجمة الأسماء والتنظيمات التي تنتمي لعالم المعارضة الجادة، معتمدا في ذلك على السب والشتم والبحث في الخصوصيات وكل المفردات التي تنهال من "الحقارة والوقاحة" كأساس لها، مستعينة بقاموس فريد من قبيل "فلان هبط السروال" و "وفلان نصاب ومرتزق" و"علان خائن ومبتز" ، والغريب أن أصحاب هذه الظاهرة يوظفون هذه المصطلحات بمناسبة أو بدونها، وبطريقة تدعو إلى السخرية والضحك حتى أنك تجد نفسك أمام أناس لا يمكن مطلقا قبولهم أو تصينفهم حيث يعسر وضعهم في مكان محدد داخل الجسم الصحفي المغربي .

ـ تفاعلها المستمر مع خطوات ومبادرات السلطة والتجند للدفاع عنها وإيجاد التخريجات المناسبة لذلك، والعمل على تمجيد شعارات السلطة وإظهارها على أنها عناوين الحلول والرفاهية المنتظرة، وأن هناك ديمقراطية زاهرة وحريات عامة ليس لها مثيل في المنطقة، والتركيز على شخصيات رسمية معينة ومحاولة تقديمها للرأي العام على أنها القيادات البديلة لما هو موجود في المعارضة الخائنة بعضها والإرهابية بعضها الآخر .
المستوى الثاني يتعلق بالتدخل الغير مباشر في الخط التحريري في مواقع، والمقصود هنا بعض المواقع التي تصنف من الأوائل وطنيا، فلا تتصوروا أن موقع يلجه الآلاف يوميا وستتركه السلطة يشتغل وينعم بالراحة، وهنا يمكن أن نشير إلى نقطتين :

ـ تدخل السلطة لتوجيه بعض الأخبار خاصة في القضايا الكبرى والأحداث التي تستأثر باهتمام الرأي العام، ويمكن لأي متتبع أن يستنتج هذا خاصة وأن أمثلة كثيرة مرة منذ الحراك، كما أن السلطة تعمل من حين لآخر على تسريب بعض المعطيات الأمنية لتبرير تدخلاتها أو اعتقالاتها أو حتى اعتداءاتها، في محاولة لتحسين صورة تلك المؤسسات الأمنية .

ـ استقطاب أسماء معروفة للكتابة من داخل هذه المواقع الإلكترونية ككتاب رأي، وعرض الأمر على أسماء كثيرة محسوبة على المعارضة منها من وافق على لعب هذه الورقة مقابل امتيازات طبعا، مقابل رفض العديد من الأسماء التي عملت تلك المواقع على تهميشها ورفض نشر العديد من مقالاتها .
أمام هذا الواقع بقيت مواقع إلكترونية خارج برنامج وتدخلات وملعب السلطة وهي قليلة على حال، لكن أعين السلطة تترصدها وتتبع كل ما ينشر على أعمدتها، وتتحين الفرص للنيل منها، ولا أعتقد أن السلطة ستسمح بخروج هذه الصحافة المؤثرة عن طوعها وستعمل جاهدة على المزيد من إدخال مواقع أخرى إلى حظيرتها التي تتسع أكثر مع مرور الوقت، وأقدر أن مدونة الصحافة والنشر التي طال انتظارها ستعزز من وجهة نظر السلطة للصحافة الإلكترونية .
*رئيس الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية
[email protected]