في مقال له، موسوم بـ"البُرقع"، في دلالة على أحوال المرأة في العالم العربي، وضمن مقالاته الأسبوعية التي ينشرها بجريدة "الحياة" (اللندنية) (الخميس: 06 مايو 2010)، قال الشاعر والمفكر الأبرز أدونيس: "كلّما تَأمّلتُ في ما آلت إليه الحركات الـسيّاسية التقـدميّة في المجتمع العربي [...] يتأكّد لي أكثر فأكثر أَنّنا كنّا ولا نزال في حاجةٍ إلى فرويد وعلم النَفس أكثر منا إلى ماركس وصراع الطبقات". والمؤكد أن التأمل الأوليّ، في الحالة السياسية المغربية، جدير بأن يلزمنا بأن نفرك أعيننا من شدة ضباب الحالة المرضية التي أصبح عليها المغرب بسبب من "خنازير السياسة" من الذين صاروا في الواجهة: واجهة الشاشة، تعيينا، حتى لا نخلط بين هذه الأخيرة وبين الفضاء العمومي باعتباره مجلى للأفكار السياسية المتحرِّكة.

ولذلك أعتقد، وباطمئنان المؤمن كما يقال، أن حالتنا المغربية، في نسختها الأخيرة، تتجاوز "فرويد أدونيس" نحو "الأنثروبولوجيا التاريخية" التي تبدو ــ لنا ــ الأقرب من محاولة فهم الحالة الأخيرة. وحتى إن كنا، هنا، لا نفعل سوى أن نكتفي بالإحالة إلى هذا الفرع المعرفي العريض الذي له مفاتيحه ومفاهيمه العريضة والتأسيسية، فإن ذلك لا يحول دون التشديد على هذه المفردة العارية والحدّية التي تبدو الأنسب لوصف الحالة المغربية المتصدِّعة. ونقصد، هنا، إلى مفردة "التقزدير السياسي" التي سبق لنا أن وظفناها في سياق خاص لنرتقي بها إلى هذا السياق العام الذي هو سياق المغرب في مظهره السياسي المأزوم الذي صار قرين "التآكل" (Cannibalisation) بمعناه المصاغ  في الكتابات المعمارية.

وقبل عشر سنوات كان بالإمكان، وفي سياق تفكيك الحال المغربية ومحاولة استخلاص أنساق التفكير، الحديث عن "الشعبوية" من حيث هي "عقيدة" تسعف على الترافع والدفاع والتسريب لـ"أفكار" مهما كان الخلاف حولها فإنها تظل أفكارا مرتبطة بأصحابها وبمرجعايتهم وأخلاقهم.  في "مغرب الآن والهنا" انتفت حتى نتف  هذه الشعبوية حيث لا فكرة بسيطة ولا رأي محمود ولا موقف ولو في حدّه الأدنى ولا ابتسامة ولو آسيوية صفراء... انتفت اللغة، ذاتها، بصفتها أسّ التواصل السياسي ليتم إفساح المجال لديكة تبدو منذورة لـ"اقتتال الفمفمة  الشرسة" التي تنتظم في إطار من "عقيدة التقزدير السياسي"؛ وكل ذلك، وهذا هو الأفظع، في دلالة على التستّر على خواء الذات وغرورها وإصرارها على أن يتبعها الآخرون مع أن عهد الاستبلاد والحماريات... قد رحل.