وكيم الزياني

شخصيا لا أستغرب عندما أجد بعض المواطنين المغاربة يعتقدون أنهم واعون بتصرفاتهم وأفعالهم -رغم أن الوعي يجب أن يكون بالأنا أولا، وعن طريق الأنا نفسها حتى ندرك وعينا بالآخر- يتحركون وينددون ويحتجون عندما يمس الشعب الفلسطيني أو السوري أو العراقي أو المصري بسوء، ويديرون ظهورهم لشعوبهم عندما تقاس بنفس السوء.. ولا يتحركون كذلك، عندما يمس هذا السوء أي شعب-انسان- آخر في العالم.

فبأي مقياس يتحرك هؤلاء عند خرجاتهم هاته؟ فالشخص إن لم يكن يحس بآلام ذاته الرازحة في القهر والتسلط، كيف يستطيع في نفس الوقت أن يشعر بآلام الآخرين الذين يبعدون عنه آلاف الكيلومترات جغرافيا؟هذا يدل على أن هذا الشخص الذي يقدم على هذه الممارسة، غير طبيعي، ولديه خلل في ذاته، لأنه يعطى الأهمية لذات الآخر المقهورة قبل ذاته التي توازيها رزوحا في نوعية القهر والتسلط، رغم اختلاف القوة المسببة لذلك القهر.

وهنا نطرح السؤال الذي من الممكن أن نجيب عنه لنصل الا حقيقة خلفيات هذه الممارسة المتناقضة بين الذات والفعل الذي تقدم عليه، ونقول كيف حدث ذلك؟ وما هي الاسباب التي أوصلت الفرد الى ذلك؟

فإذا كان هذا الهيجان من طرف شعوب ما يسمى ب “العالم الاسلامي” ضد ما يحدث في فلسطين اليوم منطلقه إنساني، حيث الإنسان لا يرضى ويؤلمه القهر والتسلط والقتل الذي يعانيه هذا الشعب من طرف قوة تسلطية قهرية تقتيلية، لماذا لا نجد هذا الإحساس وهذا الهيجان الذي يعبر عن عدم الرضا عما يتعرض له الشعب الفلسطيني عندما يتعلق الأمر بشعبنا وبذواتنا، التي تستدعي منا الوقوف معها قبل الأخر؟!

كل مغربي اليوم يعلم أن اسرائيل تقصف غزة وتقتل أبرياءها، ونفس الشيء تفعله حماس والحركات الفلسطينية الأخرى التي تقصف الإسرائيليين وتقتل أبرياءهم، لكن هذا المواطن المغربي المُهيج من منطلقات سياسية مختلفة، لا يعرف أن مغاربة سكان جبل إيمضر معتصمون فوق جبل الالبان لمدة تزيد عن ثلاث سنوات ونصف، مر عليهم البرد والجوع والشتاء والثلج.. أضف إلى ذلك التسلط المخزني الذي يذهب إليهم و”يستجيب” لحقوقهم ومطالبهم بالزرواطة ثم الإعتقالات والمحاكمات الصورية، لا لشيء إلا لأنهم يريدون الإستفادة من ثروات أرضهم الطبيعية (الفضة) التي تستغلها إحدى الشركات الاجنبية.
كما أن هذا المواطن لا يعرف كم من شخص يموت جراء الجوع والبرد في جبال أنفكو كل سنة، ولا يعرف القتل والترهيب الذي يقوم به نظام العسكري الديكتاتورية الجزائري في حق أبناء مزاب وغرداية.. ولا يعرف الموت اليومي الذي يعاني منه الانسان الريفي مع مرض السرطان الفتاك ومخزن يتفرج على جثثهم، بل يزيدهم بحرقهم وقتلهم في مخافر الشرطة، بدل أن يقدم حلولا لهذه المعاناة كلها..
أليست هذه هذا بآلام وتسلط وقهر؟ ألا يعرف هذا المواطن بزرواطة المخزن التي تُسلط على المحتجين، من أجل حقوقهم العادلة من المواطن البسيط الى المعطلين بمختلف تلاوينهم والموظفين والاساتذة…

صدق أنطونيو كرامشي عندما قال “المثقف الذي لا يحس بآلام شعبه لا يستحق أن نسميه مثقفا” فما بالنا أن يكون مثقفا.. مثقفونا اليوم عقولهم في الشرق وأجسادهم في الغرب، فهم يعتقدون أن من الشرق يأتي كل شيء.. يأتي الفكر وتأتي الثقافة وتأتي القيم كما تأتي الشمس، بل حتى حريتنا نحن لا يمكن أن تكون بدون أن يتحرر ذلك الشرق الذي سلب الناس عقولهم، وألغى ذواتهم ليقحمها في التبعية الفكرية والتفكيرية الأبدية لذلك الشرق.
أقول هذا الكلام ليس من منطلق المزايدات السياسية، بل تصويرا لهذه العقلية الإستلابية التي صُنعت في إطار سياسات الدول ومنظوماتها التعليمية، حتى استطاعت من خلالها -هذه الدول- أن تجعل تفكير الذات المستلبة يذهب إلى إلغاء الأنا القهرية، وإلهائها بالآخر القهري، حتى يتم إبقاء الأنا القهرية تفكر في هموم الآخر، وتنسى القهر والتسلط الذي تعاني منه هي نفسها..
وهذا الإستلاب يُصنع تحت مسميات مختلفة ومتنوعة، لكن الموضوع الذي أمامنا صنع تهيجه من منطلق ديني أولا وقومي عرقي ثانيا، فتجد المواطن البسيط بعقليته يقول “انظر ماذا تفعل إسرائيل في إخواننا المسلمين؟”. ونجد الآخر المثقف يقول: “قضية فلسطين هي قضية كل عربي”.
من خلال هاذين المثالين، نستنتح طبيعة العقلية التي تنحو هذا المنحى في التفكير، ومعرفة حتى أسباب هيجانها، وخلفيات وقوفها مع الفلسطيني المضطهد، ومن داخل هذه العقلية تجد تفرعات سياسية وايدولوجية مختلفة، واحد يبايع حركة حماس والثاني حركة فتح والآخر الجبهة الشعبية..
فإذا سقط شهيد من حماس مثلا، لا يمكن لليساري الماركسي المغربي أن يتبناه شهيدا، رغم أنه يعتبر القضية الفلسطينة قضية وطنية!
وحتى إذا تجاوزنا هذا الموقف، فالوطنية لا توجد في أدبيات الفكر الماركسي.. نفس التعامل نجده عند الاسلامويين مع شهداء فتح والجبهة الشعبية، هذا يبين جوهر العقلية العربية والعروبية في تعاطيها مع القضية الفلسطينة.

أما أنظمة هذه الشعوب فإنها تساند الفلسطينيين في العلن، وتبيعهم في الخفاء، وخير دليل أن جل عواصمها تعلوها رايات اسرائيل في سفاراتها، وحل قادات هذه الدول يزورون اسرائيل خُفية، ويستقبلون زعماءها في بلدانهم.

إذن مشكل الفلسطينيين اليوم هو مشكل سياسي، والسياسيون هم مَن يبيعون الموت للفلسطينيين، وفي الأخير يخرجون للترحم على أرواحهم، وهذا لا يستثنى منه القوى الفلسيطنية نفسها.

قال جورج حبش مقولته الشهيرة جدا عن هذا التفكير الاستلابي: “خير شيء من الممكن أن تقدموه للفلسطينيين هو أن تناضلوا لتحرير أنفسكم أولا”!
فكيف يمكن اليوم لمن يهلل لتحرير فلسطين، وهو لم يحرر حتى نفسه من الاستبداد والتسلط؟
إن هذا ليس بغريب في بلدان يعتبر فيه “فاقد الشيء يعطيه”!

إن قضية فلسطين وأية قضية أخرى، يكون فيها الانسان مضطهدا من طرف نظام غازي أو حاكم، هي قضية كل الضمائر الحية لدى الانسانية جمعاء، والوقوف ضد الاضطهاد والاستبداد يجب ان يكون على أساس إنساني، لا من منطلق ديني أو عرقي أو اثني، وتكون فيها الأنا واعية بماهية ذاتها وأفعالها وممارساتها بعيدا عن أي انسلاخ فكري ثقافي وهوياتي.