لطالما احتل موضوع النظام الأمثل لتدبير المجتمعات حيزا مهما من الدراسات السياسية ، واجمعت كل هذه الدراسات على أن الديموقراطية هي الوسيلة الأمثل للوصول إلى النظام المنشود، لكنها بالمقابل اختلفت حول آليات وطبيعة و ميكانيزمات هذه الديمقراطية بل ان الخلاف احتدم حتى حول إيجاد تعريف موحد لها!!!
إن ميلاد الدراسات الديمقراطية كحقل معرفي مستقل أغنى من النقاش حولها ،و لعل نظرية الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي لصامويل هانتغتون قد حددت بعض معالم تمييز الانظمة الديمقراطية عن نقيضتها الاستبدادية، لكن هذه النظرية سرعان ما اصتدمت بالنموذج العربي الذي أصبح استثناءا لهذه المعايير، لكونه وظف وسائل وآليات إنتاج الديمقراطية عبر صياغته لدساتير وأنظمة انتخابية ، و كذا من خلال إقراره بالتعددية الحزبية و الحق في الممارسة الديمقراطية، ورغم ذلك لم ينتج لنا هذا النموذج أنظمة ديمقراطية بمعناها الغربي، فما كان من المحللين إلا ان أقروا بأن الانظمة العربية هي نموذج للإجابة عن سؤال "كيف تعيد الأنظمة الاستبدادية انتاج نفسها وبأدوات الديمقراطية؟!!"
ليس هذا هو الشاهد في المقال، لكنه قد يفتح شهية الباحثين من أجل إعادة النظر في قواعد تأصيل الديمقراطية هل هي هدف بحد ذاتها ؟ أم أنها وسيلة نأمل منها الوصول إلى النظام الأمثل ؟ وهل من الضروري أن ينتج العالم شكلا واحد من الديمقراطية ؟
لم يستصغ صناع الديمقراطية بمفهومها الغربي ما يرد من تحليلات حول أن لكل مجتمع ديمقراطيته التي يجب ان ينتجها على مقاصه ووفق حاجياته منها، وأنها وسيلة لتحقيق النظام الأمثل لتدبير المجتمعات، وليست هدفا بحد ذاتها حتى تُلزم شعوب بالثورة من أجل تطبيقها وفق نموذج معين وبدعم من قوى معين، وتنساق أخرى لإعادة انتاج نفسها وفق محددات الديمقراطية المزعومة....
إن نتيجة الانتخابات الامريكية اليوم بفوز المرشح الجمهوري ترامب قد تكون درسا مفيدا لمنظري منهج الديمقراطية الأوحد ليقوموا بمراجعات فكرية ويعيدو النظر في سؤال هل فعلا يكفي أن تطبق الديمقراطية وفق رؤيتهم حتى يحكمنا أناس ديمقراطيون؟ أظن أنه آن الأوان ليقر هؤلاء أن أحكامهم نسبية ، وأ ن صنع الديمقراطية للاديمقراطيين ليست خاصية عربية ، بل هي نتاج لتفاعل عناصر غير متجانسة قد يكون مصدرها مهد الديمقراطية الحديثة نفسها.