تشهد العلاقات التركية الروسية تطورات متسارعة نحو التطبيع الكامل سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ترجمة للتفاهمات التي توصل اليها الرئيس رجب طيب اردوغان في اجتماعه المغلق الذي استمر اكثر من ساعتين مع نظيره و”صديقه” الروسي فلاديمير بوتين، ومن المتوقع ان تنعكس هذه التفاهمات، بصورة او باخرى انفراجا، في الازمة السورية، وتحالفات في مناطق اخرى خاصة في منطقة القوقاز.

المقايضة الكبرى التي تمت بين الجانبين خلال الاجتماع المغلق، حسب ما اشارت تقارير دبلوماسية روسية وتركية جرى تسريبها للصحف يمكن شرحها كالتالي:

موسكو تريد من اردوغان اغلاق الحدود التركية السورية في وجه اي امدادات بشرية او تسليحية او مالية للجماعات السورية المسلحة المتهمة بالارهاب، وعدم الاقدام على اي عمل من شأنه محاولة تغيير النظام السوري، وابعاد الثوار الشيشانيين والقوقازيين المتواجدين على الاراضي التركية.

انقرة تريد من موسكو في المقابل الحصول على تعهد روسي واضح بعدم تقديم اي دعم للاكراد لاقامة مناطق حكم ذاتي، او كيان مستقل على طول الحدود الشمالية السورية والعراقية، او انفصال الاقليم الكردي جنوب شرق تركيا، ورفع جميع القيود والعقوبات الاقتصادية، والتسريع في بناء خط انابيب غاز “السيل التركي”.

***
من الصعب ان نرى، او نتوقع تطبيقا فوريا لهذه المقايضة وبنودها من قبل الطرفين، ولكن يمكن القول بأن العجلة بدأت تدور في هذا الاتجاه وبسرعة لافتة، وهناك اربعة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية يمكن رصدها في هذا الصدد:

الاول: اكد السيد علي بن يلدريم رئيس الوزراء التركي امس ان سورية، ودول اخرى في المنطقة ستشهد تطورات “جميلة” في كلمة القاها اثناء اجتماعه بإعضاء مجلس مصدري تركيا في مكتبه.

الثاني: توجيه مولود تشاويش اوغلو، وزير الخارجية التركي، دعوة ملحة الى روسيا للبدء في عمليات مشتركة ضد “الدولة الاسلامية” العدو المشترك للجانبين والحيلولة دون تمددها في سورية.

الثالث: تأكيد الرئيس التركي اردوغان في مقابلة مطولة مع وكالة “تاس″ الرسمية، انه لا يريد لسورية ان تتفكك، ولكنه قال انه من الصعب ان تظل موحدة تحت حكم الرئيس بشار الاسد.

الرابع: توجه وفد من ثلاثة مسؤولين اتراك يمثلون الجيش والاستخبارات والخارجية الى موسكو اليوم الخميس للالتقاء بنظرائهم الروس لاجراء مباحثات حول الوضع في سورية.

الرئيس اردوغان اقدم على هذا التوجه الكبير نحو موسكو لانه يريد الرد “عمليا” على الانتقادات والاهانات الاوروبية والامريكية له، ابتداء بإتهامه بالقمع، وانتهاك حقوق الانسان، والتهديد بإغلاق ابواب الاتحاد الاوروبي في وجه تركيا، والغاء الاتفاق الموقع بشأن اللاجئين، الرئيس اردوغان يشعر بمرارة من جراء الموقف الغربي الذي اغلق معظم الابواب في وجهه، فالقادة الغربيون يرفضون استقباله، ولم يجر اي منهم اي اتصال هاتفي معه منذ الانقلاب، او حتى استقبال مكالماته، وهذا ما يفسر اشارته الى الرئيس بوتين بالصديق كل اربع دقائق في مقابلته مع وكالة “تاس″ المذكورة آنفا.

وعلى ذكر هذه المقابلة مع الوكالة الروسية كان مفاجئا، توجيهه انذارا للاتحاد الاوروبي بضرورة تنفيذ اتفاق اللاجئين، او امهالهم، حتى منتصف اكتوبر، والا سيعتبره لاغيا، واعترافه فيها ولاول مرة ان الطائرة الروسية جرى اسقاطها داخل الاراضي السورية وليس التركية، وان الطيار الذي اسقطها رهن الاعتقال، وتجرى مقاضاته، والشيء نفسه يحصل للمقاتل التركستاني المعارض الذي قتل الطيار بعد تحطم طائرته اثر صاروخ اطلق عليها.

المطالبة التركية بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع روسيا ضد “الدولة الاسلامية” ومواقعها في سورية، يعني ان الرئيس اردوغان حسم امره كليا في الملف السوري، وبدأ يتبنى تدريجيا وجه النظر الروسية التي تعطي الاولوية لمكافحة الارهاب، والقضاء عليه قضاء مبرما، وهذه مغامرة ربما تستدعي رد فعل ارهابي انتقامي داخل تركيا، مماثل للتفجيرات التي استهدفت اهدافا حيوية في انقرة واسطنبول، ولا نعتقد ان مثل هذا الاحتمال يغيب عن ذهن المسؤولين الاتراك، ولا يدفعهم بالتالي لاخذه في الحسبان.

***
اللافت ان رد الفعل الرسمي السوري تجاه لقاء المصالحة التركي الروسي يتسم حتى الآن بالغموض، والتجاهل ايضا، فهل تتوجس القيادة السورية من هذا اللقاء ونتائجه، ام انها تنتظر زيارة مبعوث روسي يحمل اليها المعلومات الوافية قبل الادلاء بأي موقف، مرحب او غير مرحب؟

حسم معركة حلب الذي يبدو انه بات وشيكا في ظل الحشود الضخمة من الجانبين استعدادا للمواجهة الكبرى، اذا ما تم، على غرار ما حدث في مدينة منبج القريبة، ربما يكون مؤشرا وترجمة للتفاهمات التركية الروسية بشكل او بأخر، وما علينا الا الانتظار مثل الآخرين، ورصد التحركات التركية ميدانيا.

المؤكد ان لقاء الرئيسين التركي والروسي سيغير معادلات كبيرة في المنطقة، وسيعيد صياغة العديد من المواقف والتحالفات، وستكشف الايام والاسابيع المقبلة العديد من الاسرار.