جاء قرار دولة الامارات العربية المتحدة بوقف العمليات العسكرية لقواتها في اليمن مفاجئا من حيث مضمونه، ومن حيث توقيته، لما يمكن ان يترتب عليه من تداعيات وانعكاسات على “التحالف العربي” الذي يقاتل حاليا لاعادة “الشرعية” والقضاء على ما يسميه هذا التحالف بـ”التمرد” “الحوثي الصالحي”، وعلى المفاوضات الجارية حاليا في الكويت بين وفد حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، ووفدين يمثل احداهما حركة انصار الله الحوثية، والثاني حزب المؤتمر الذي يتزعمه الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.

كان لافتا ان هذا القرار ورد على لسان الدكتور انور قرقاش وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية، واثناء مؤتمر صحافي عقده فجر اليوم الخميس، وقال بالحرف الواحد “موقفنا واضح، فالحرب انتهت بالنسبة الى جنودنا، نرصد التحركات والترتيبات السياسية، ودورنا الاساسي حاليا هو تمكين اليمنيين في المناطق المحررة”، مثلما كان لافتا ايضا قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي، والرجل القوي في الامارات، بإعادة هذه التصريحات على حسابه الرسمي على شبكة “التويتر”، في خطوة غير مسبوقة، تعني تأييده الكامل لهذه التصريحات، اي انه يقف خلفها، ويتبناها بالتالي.

تصريحات الدكتور قرقاش كانت “متقترة”، ومصاغة بعناية فائقة، مثل حال معظم التصريحات التي يطلقها المسؤولون الخليجيون عادة، لايصال رسائلهم دون احداث ضجة، خاصة ان هناك اطرافا خليجية وعربية ودولية ستعكف على تحليلها وتفسيرها، والبحث عما تخفيه من معان ومواقف بين سطورها، ولكن ما يمكن استنتاجه للوهلة الاولى، ان دولة الامارات طفح كيلها من هذه الحرب “العبثية” التي دخلت عامها الثاني دون تحقيق اهدافها كليا او جزئيا، او بالاحرى بعضها حتى نكون دقيقين، وتحولت الى حرب استنزاف.

دولة الامارات كانت الاكثر مشاركة “عملياتيا” في هذه الحرب بعد المملكة العربية السعودية، مثلما كانت الاكثر معاناة من الخسائر البشرية والمالية بعدها ايضا، وسقط لها اكثر من مئة جندي في المعارك والمواجهات الميدانية، حسب تقديرات غير رسمية، ابرزها مقتل 52 جنديا بصاروخ اطلقه الحوثيون على قاعدتهم في ايلول (سبتمبر) عام 2015، وسقوط ثلاث مروحيات، اثنتين منها في الاسبوع الحالي فقط، ومقتل طواقمها، وقال بيان رسمي ان هذه الطائرات الثلاث سقطت “لاعطال فنية” اثناء مناورات تدريبية، وربما كان سقوط هاتين المروحيتين هو نقطة التحول التي ادت الى هذا الاعلام المفاجيء.

المقربون من صناع القرار في دولة الامارات اكدوا في مجالسهم الخاصة ان هدفهم الرئيسي في الدخول في حرب اليمن هو “استعادة” الجنوب اليمني، واخراج قوات انصار الله الحوثيين منه، وقد تحقق هذا الهدف بصورة او بأخرى، وانسحبت، او اجبرت، القوات الحوثية على الانسحاب نحو مواقعها في الشمال، وما زالت القوات الاماراتية توفر الحماية لمطار عدن والقصر الجمهوري في المعاشيق، ولكن تظل هناك مشكلة اساسية في الجنوب اليمني، وان كانت اقل حدة، وهي الوجود الكبير لقوات “الدولة الاسلامية” و”القاعدة” هناك، والعمليات الانتحارية، والاغتيالات بالسيارات المفخخة التي تشنها عناصر تابعة للتنظيمين في عدن والمكلا، وتنظيم “الدولة” خصوصا، الامر الذي دفع بقوات الامارات الخاصة الى شن هجوم لاخراج قوات “القاعدة” من مدينة المكلا، ومعظم محافظة حضرموت قبل شهرين تقريبا.

لا نعرف ما اذا كانت دولة الامارات قد نسقت خطواتها هذه مع الحليف السعودي، مثلما لا نعرف ايضا ردود فعل هذا الحليف عليها، لكن المؤكد ان السعودية ستفاجأ مثل غيرها بهذا القرار في الحالين، سواء تم التنسيق، او لم يتم، لاننا نراها خطوة “احادية” الجانب، وفي ذروة المفاوضات في الكويت، وانهيار وقف اطلاق النار، وتصاعد الهجمات الحوثية على الحدود السعودية اليمنية، وعودة صواريخ سكود من الجانب اليمني.

كان واضحا ان هناك خلافات بين الجانبين السعودي والاماراتي حول تطورات الحرب، والعملية السياسية الحالية لانهائها سلميا وعبر المفاوضات، فالامارات لم تخف دعمها للسيد خالد بحاح رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية اليمني الاسبق (مقيم حاليا في ابو ظبي)، ولم تكن مرتاحة مطلقا لامرين اساسيين:

الاول: الدعم السعودي العسكري والسياسي لحزب الاصلاح اليمني السلفي الذي يمثل حركة “الاخوان المسلمين” في اليمن، او يعتبر جناحها العسكري فعليا.

الثاني: عزلها، اي السعودية، من خلال الرئيس هادي، للسيد بحاح الحليف للامارات، وتعيين الجنرال علي محسن الاحمر المقرب من حركة “الاخوان المسلمين”، نائبا لرئيس الجمهورية، والمكلف بإدارة الحرب ضد التحالف “الحوثي الصالحي”، مكان السيد خالد بحاح.

يمكن اضافة سبب ثالث لحالة عدم الارتياح الاماراتية هذه، وهو تصاعد الانتقادات الدولية للحرب في اليمن، والخسائر الكبيرة التي لحقت بالمدنيين وتقدر بأكثر من 6500 قتيل وعشرين الف جريح، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، مثلما يقولون، قرار الامين العام للامم المتحدة قبل اسبوعين بوضع اسم السعودية، والتحالف الذي تقوده في اليمن، على اللائحة السوداء للدول التي تقتل الاطفال وتشوههم.

صحيح انه جرى حذف اسم التحالف من القائمة “مؤقتا” بعد ضغوط وتهديدات سعودية بوقف الدعم لمنظمات الامم المتحدة، ومن ضمنها “الاونروا”، التي تدعم اللاجئين الفلسطينيين، والتلويح بإصدار فتوى من علماء مسلمين بإعلان الامم المتحدة معادية للاسلام والمسلمين، ولكن تأييد الولايات المتحدة لهذا القرار الاممي، وتسريب انباء الضغوط السعودية هذه الى وكالة انباء “رويترز″ العالمية يوحي بأن هناك مراجعة لقرار الحذف هذا، واحتمال الغائه بالتالي لاحقا، والامارات باعتبارها ابرز دول التحالف لا تريد ان توضع على هذه اللائحة، وربما لوائح اخرى مماثلة في المستقبل، وقررت تقليص خسائها في الحرب والانسحاب تدريجيا منها.

تجنب وسائل الاعلام السعودية الاشارة الى هذه الخطوة الاماراتية حتى كتابة هذه السطور، يوحي بأن المملكة غير مرتاحة لها، وربما فوجئت بها ايضا، والصمت في هذه الحالة لا يعني الرضاء، وانما عدمه، مثلما نعتقد في هذه الصحيفة “راي اليوم”.
ربما من السابق لاوانه التوسع في اصدار الاحكام على هذا القرار الاماراتي لشحة المعلومات، ولكن ما يمكن قوله، ان كيل الامارات قد طفح، وقررت قيادتها الخروج من هذه الحرب الدموية في اليمن تقليصا للخسائر، بعد ان اصبحت “عبثية” تراوح مكانها وتعطي نتائح عكسية، وهذا في تقديرنا قمة البراغماتية، ولعلها بداية النهاية لهذه الحرب، وعودة الامن والاستقرار لليمن.