خلع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الملابس المدنية التي ارتداها منذ فوزه في انتخابات رئاسية قبل عام تقريبا، وعاد الى بزته العسكرية، بنجومها واوسمتها، اثناء زيارته الخاطفة التي قام بها الى مواقع عسكرية في شبه جزيرة سيناء متفقدا جنوده وضباطه، ومؤكدا ثقته بهم وقدراتهم “اللامحدودة” في هذا الظرف الحرج الذي تمر به البلاد.

العودة الى لقب “المشير” وارتداء الملابس العسكرية، ولو لفترة قصيرة تعني الكثير، لعل الرسالة التي يريد الرئيس السيسي ايصالها الى اكثر من طرف داخل مصر وخارجيها، تقول مفرداتها ان الجيش هو الذي يملك اليد العليا في البلاد، وانه ما زال يفضل منصبه العسكري كقائد اعلى للقوات المسلحة على منصبه المدني كرئيس للجمهورية.

المؤسسة العسكرية المصرية هي الوحيدة القوية المتماسكة في مصر حتى الآن، مثلما هو الحال في معظم الدول الاسلامية الاخرى، مثل تركيا وباكستان والجزائر، ولعل الرئيس السيسي ما زال يحن اليها، باعتباره احد ابنائها، ويريد تعزيز هذا الانتماء، وبما يؤدي الى حصوله على دعمها له، وخاصة بعد ازدياد التدهور الامني، وتصاعد ارقام الخسائر في صفوفها بعد عامين من بدء الحملة ضد الجماعات الجهادية المتطرفة، وتنظيم انصار بيت المقدس، على وجه الخصوص، الذي اعلن البيعة لـ”الدولة الاسلامية”، وحول سيناء الى احدى ولايات دولة “الخلافة”.

مهمة الرئيس، او المشير، السيسي تبدو صعبة للغاية بغض النظر عن طبيعة الملابس التي يرتديها، مدنية كانت او عسكرية، لان الحرب التي تتسع دوائرها وتشكل تحديا لاهم مؤسستين في البلاد، العسكرية والامنية معا، ويبدو ان هاتين المؤسستين تواجهان صعوبات في مواجهة هذا التحدي، بدليل وصول السيارات المفخخة الى موكب السيد هشام بركات النائب العام واغتياله، ومهاجمة قوات “الدولة الاسلامية” ستة حواجز للجيش المصري في سيناء، وقتل اكثر من 17 ضابطا وجنديا (هناك تقارير اخبارية غير رسمية تقول ان العدد الحقيقي 70 قتيلا)، والاستيلاء مؤقتا على مدينة الشيخ زويد القريبة من الحدود من قطاع غزة، ورفع علم الدولة فوق مخفرها، ومقر بلدتها قبل ان تستعيدها القوات المصرية.

اسرائيل التي تتعاون بشكل كامل مع الحملة التي يشنمها الجيش المصري ضد الجماعات الجهادية، سواء من خلال تقديم المعلومات الاستخبارية، او تجميد القيود التي تفرضها اتفاقات كامب ديفيد على تواجد وانتشار القوات والطائرات المصرية في سيناء، تشعر بقلق اكبر من قلق الجيش المصري من تواجد تنظيم “الدولة الاسلامية” قرب حدودها، وتعزز هذا القلق من خلال اطلاق صاروخين يوم امس على اهداف في عمقها، لاول مرة منذ انقطاع طويل.

واذا كان توسع “الدولة الاسلامية” في سيناء وتكثيف هجماتها ضد حواجز الجيش المصري شكلت نتائج سلبية، بل مغرقة في سلبيتها، في نظر السلطات المصرية، فان الايجابية الابرز ان عملياتها وهجماتها العسكرية، نجحت في “تحرير” سيناء بالكامل من اتفاقات كامب ديفيد، واعادة السيادة المصرية كاملة اليها، بما في ذلك رفع الحظر على الطيران المصري، وكذلك اعداد الدبابات والمدرعات والقوات المصرية على هذا الجزء من التراب المصري، الذي ظل منقوص السيادة منذ توقيع هذه الاتفاقات.

ربما ينجح التعاون العسكري والامني الاسرائيلي المصري في تحقيق بعض النتائج المحورية في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” في سيناء، لكن من الصعب الجزم بأن هزيمة هذه “الدولة” باتت وشيكة، فمنذ اعلان تنظيم انصار بيت المقدس البيعة للخليفة ابو بكر البعدادي زادت خطورة هذا التنظيم واتسعت دائرته، مما يوحي بأن بعض عناصره حصلت على اسلحة وتدريب متقدم، خاصة في ميدان تلغيم السيارات، واعمال الكر والفر، ومن غير المستبعد ان تكون اسلحة جديدة وصلت من ليبيا تتسم بالنوعية المتقدمة.

خطورة تنظيم “الدولة الاسلامية” تنبع من مفاجأته وقدرته على نقل المعارك والمواجهات الى جبهات جديدة، وتراجعه في سيناء، اذا حصل، يودي الى نقله المعركة الى العمق المصري، ولعل الدقة في تنفيذ عملية الهجوم على موكب النائب العام توحي بمثل هذا الخطر.

الرئيس السيسي في نسخته المدينة يواجه ازمات اقتصادية وادارية طاحنة في ظل زيادة نسبة التضخم لـ(13 بالمئة) وتلميحات خليجية بعدم القدرة على مواصلة ضخ المليارات لدعم الاقتصاد المصري، اما المشير السيسي “العسكري” فانه يخوض معركة مع “دولة اسلامية” عجز تحالف مكون من ستين دولة برئاسة الولايات المتحدة، وقام بأربعة آلاف غارة عن هزيمتها والقضاء عليها.

مأزق الرئيس المصري بابعاده الثلاثية، العسكرية والامنية والاقتصادية كبير، ويزداد تضخما، ويتم هذا في موازاة حالة من الانسداد والاحتقان السياسي، ولذلك فان محاولات الخروج منه، وفي ظل غياب مشروع وطني استراتيجي واضح المعالم، تبدو صعبة للغاية.