تقول كتب التاريخ ان الحرب العالمية الاولى انفجرت بسبب حادث اغتيال دوق نمساوي، وهذا لا يعني ان هذا الدوق كان مهما لدرجة خوض حرب انتقاما له، وانما لان الموقف كان محتقنا، وجاءت عملية الاغتيال هذه لتلعب دور المفجر، وباقي القصة معروفة.
من يتابع تطورات الاوضاع في المنطقة العربية، وبالتحديد في اليمن وسورية والعراق، يخرج بانطباع بأنها تقف على حافة حرب اقليمية، ان لم يكن دولية، واي تحرش بسيط، او قذيفة طائشة، يمكن ان يؤديان الى انفجارها.
بالامس اقدمت خمس سفن حربية ايرانية على اجبار سفينة حاويات (مايرسك تيغرس) ترفع علم جزر مارشال التابعة للولايات المتحدة، على التوجه الى جزيرة “لارك” الايرانية، بعد اطلاق عدة رصاصات باتجاهها.

الاخطر من ذلك ان عناصر تابعة للحرس الثوري الايراني صعدوا الى متن السفينة وفتشوا حمولتها.

وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) وصفت الخطوة هذه بأنها “استفزازية” وامرت مدمرة امريكية التوجه في اسرع وقت ممكن الى اقرب نقطة منها.

السيدة مرضية افخم قالت ان احتجاز السفينة المذكورة جاء بسبب “نزاع مالي” وتم وفق القواعد والقوانين المرعية، وانها ستواصل ابحارها بعد تسوية هذا النزاع.

احتجاز “السفينة” عمل “استفزازي” متعمد، وجاء كرد على اقدام سفن امريكية بتفتيش سفينة تحمل علم بنما في مضيق باب المندب قبل ايام كانت قادمة من ايران اعتقادا منها بأنها تحمل اسلحة ايرانية للحوثيين.

الرسالة التي ارادت ايران توجيهها الى الولايات المتحدة وحلفائها تقول، تفتشون سفننا في مضيق باب المندب، ونحن سنفتش سفنكم في مضيق هرمز، و”العين بالعين، والسن بالسن، والبادي اظلم”.

“الاستفزاز″ الايراني لم يقتصر على البحر، وانما امتد الى الجو والبر ايضا، عندما اقدمت طائرات حربية سعودية الى قصف مدرج مطار صنعاء بعدة صواريخ لتعطيله عن العمل بعد اختراق طائرة ايرانية للاجواء اليمنية، واصرار قائدها على الهبوط رفضا للتحذيرات السعودية، قائلا انه يطير في الاجواء اليمنية وليس السعودية.

في هذه المرة قصفت الطائرات الحربية مدرج مطار صنعاء الدولي لتعطيله، مثلما قصفت قبلها مطار الحديدة للغرض نفسه، ولكن ماذا سيحدث لو انها قصفت طائرة مدنية ايرانية، فهل ستسكت ايران؟

حدة الهجمات اللفظية الايراينة ضد السعودية في تصاعد، وتستخدم عبارات مسيئة، في تزامن مع زيارة العماد فهد جاسم الفريج وزير الدفاع السوري الى طهران للقاء نظيره الايراني وبعض القيادات العسكرية الاخرى بهدف “تعزيز التعاون بين البلدين الشقيقين في محاربة الارهاب”.

ايران تعيش حالة من القلق بعد نجاح المعارضة السورية المسلحة في تحقيق تقدم متسارع في جبهات القتال، حيث تم الاستيلاء على ادلب، وجسر الشغور، وبلدة اشتبرق في الشمال الغربي، مما مكنها من الاقتراب من اللاذقية، ومدن وبلدات الساحل السوري الاخرى، الامر الذي يجعل الحاضنة الشعبية للنظام السوري في هذه المنطقة الجغرافية تحت مرمى نيرانها.
التحالف التركي السعودي القطري الجديد احدث انقلابا في ميادين القتال ضد الجيش السوري وحلفائه، حيث لعبت دولة قطر دورا كبيرا في تمتين هذا التحالف، واخراج السعودية من تحالفها الثلاثي مع مصر والامارات، والتخلي عن سياستها السابقة في شن حرب ضد “الاخوان المسلمين”.

تغيير موازين القوى على الارض في الجبهات السورية جاء بسبب وضع السعودية كل ثقلها خلف المعارضة المسلحة وتزويدها بصواريخ مضادة للدروع، والتنسيق الكامل مع حليفها التركي الجديد في هذا المضمار، الامر الذي انعكس في تشكيل “جيش الفتح” الذي تنضوي تحت مظلته عدة فصائل مقاتلة تابعة وممولة من قبل الاطراف الثلاثة (السعودية تركيا قطر) وعلى رأسها “جبهة النصرة”.

السؤال هو: كيف سترد ايران على هذا السيناريو “المرعب” في كل من سورية واليمن؟ وهل ستستمر بالصمت، والاكتفاء بالحرب بالوكالة، بعد ان تخلت عنها (الحرب بالوكالة) السلطات السعودية وتدخلت بشكل مباشر في اليمن في اطار “عاصفة الحزم”؟

في المرة السابقة، وعندما واجه الجيش السوري صعوبات كبيرة في القصير ومناطق اخرى في اقليم القلمون، اوعزت لحليفها “حزب الله” وقواته في التدخل، الامر الذي قلب المعادلة لصالح السلطات السورية، والحاق هزيمة كبرى في صفوف القوات المقاتلة لاسقاط النظام، الآن ما هي الورقة التي يمكن ان تستخدمها ايران؟

في تقديرنا انه اذا استمرت قوات “جيش فتح” والفصائل المقاتلة الاخرى في تحقيق تقدم اكبر على الارض والاقتراب اكثر من مدن وبلدات الساحل السوري الشمالي، من غير المستبعد ان تزيد ايران من تدخلها المباشر.

بالون الاحتقان يتضخم وينتظر “الدبوس″ المفجر لحرب اقليمية مدمرة، اللهم الا اذا حدثت معجزة، وزمن المعجزات انقرض منذ زمن طويل.