حدثان بارزان يمكن ان يسلطا الاضواء بشكل اقوى على ملامح المستقبل بالنسبة الى الدول الخليجية وحكوماتها وشعوبها، ويمكن من خلالهما اجراء قراءة متعمقة لما يمكن ان تواجهه هذه الدول من متغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية.

الاول: اختفاء السيد علي النعيمي وزير النفط السعودي عن الانظار طوال الفترة الماضية، وبالتحديد منذ تدهور اسعار النفط، وهبوطها بأكثر من النصف، واتهام الكثيرين له، من داخل المملكة وخارجها، بانه مهندس السياسة السعودية النفطية التي ادت الى اغراق الاسواق العالمية باكثر من مليوني برميل لخفض الاسعار لدفع شركات النفط الصخري الى الافلاس وشل اقتصاديات كل من ايران وروسيا.

الثاني: اقدام شبكة “الجزيرة” الذراع الاعلامي السياسي الاقوى، بل والوحيد في دولة قطر الى تسريح مئات العاملين فيها لتقليص النفقات لانخفاض عوائد الدولة النفطية الى ما دون النصف بسبب تراجع اسعار النفط.

اخترنا هذين الحدثين بسبب تأثيرهما محليا وعالميا، والطابع الرمزي لهما، كل حسب مكانته واهميته، والدورين اللذين لعباهما في رسم ملامح المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا في العقد الماضي، رغم اعترافنا المسبق بنسبيتهما.

وربما يجادل البعض بأن السيد النعيمي لم يكن صانع سياسات نفطية في بلاده، وانما منفذ لها، وان صاحب القرار الاقوى في وزارة النفط السعودية، هو نائبه الامير عبد العزيز بن سلمان نجل العاهل السعودي، وربما يكون اختفاء السيد النعيمي من المشهد راجع الى رغبته في التقاعد، وهو الذي تجاوز عمره الثمانين عاما، وعدم رغبته في الاستمرار في الدور الحالي كوزير للنفط، بعد اكثر من عشرين عاما في المنصب.

السيد النعيمي تجنب الحديث للصحف ووكالات الانباء ووسائط الاعلام الاخرى، ويفضل الاعتكاف فيما يبدو، لكن ما نعرفه ان معظم التحليلات تجمع على ان اسعار النفط ستستمر في الهبوط، ومعها مداخيل الدول الخليجية، وغير الخليجية، مثل الجزائر وليبيا عربيا، وفنزويلا وروسيا ونيجيريا والمكسيك دوليا، حتى ان بنك “غولدمان ساكس″ توقع ان يصل هذا الانخفاض الى حوالي عشرين دولارا للبرميل.

وكالة “ستاندرز اند بورص” لخدمات التصنيف الائتماني تنبأت بأن استمرار تراجع اسعار النفط قد يؤدي الى تأجيل بعض مشاريع البنية التحتية، او الغائها، في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، ولعل قرار مجلس ادارة شبكة “الجزيرة” بالغاء ما يقرب من ربع الوظائف (من مجموع حوالي خمسة آلاف وظيفة) هو احد ابرز العناوين في هذا الصدد.

صحيح ان شبكة “الجزيرة” ليست من مشاريع البنى التحتية، ولكن قرارها المذكور بالانكماش وظائفيا على درجة كبيرة من الاهمية لانها احد المشاريع الاشهر، والاصلب، والاهم، خليجيا وعربيا.

هناك مشاريع مطارات وسكك حديد وطرق وانفاق واسكان ضخمة جرى اعتمادها في معظم الدولة الخليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية، في ظل الطفرة النفطية، ومن المؤكد ان هذه المشاريع او معظمها ستواجه التجميد ان لم يكن الالغاء كليا نتيجة تراجع العوائد النفطية.

الحديث عن اجراءات تقشفية يمكن الاقدام عليها من قبل بعض الحكومات لتقليص العجوزات في الميزانية العامة بات مسيطرا على الحوارات في الديوانيات في معظم دول الخليج، وتحدثت بعض الصحف عن احتمالات الغاء الدعم الحكومي لسلع اساسية مثل المحروقات والكهرباء، والماء، وفرض ضرائب على شركات اجنبية وعمالتها.

المقترحات كثيرة لمواجهة هذه الازمة، او تقليص مخاطرها على الاقل، ابرزها ما طرحه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعقد اجتماع قمة طارىء للدول الاعضاء في منظمة “اوبك”، وفتح حوار من اجل التنسيق مع الدول المنتجة خارج المنظمة، مثل روسيا والمكسيك، ولكن هذا الاقتراح لم يجد ترحيبا، حارا او باردا، من قبل الدول الخليجية والسعودية خاصة، لان الاخيرة لا ترى فائدة من مثل هذا الاجتماع، وتتطلع الى حلول دائمة، وليس مؤقتة، وابرزها اخراج شركات النفط الصخري، احد ابرز مصادر الازمة من الاسواق، ودفعها نحو الافلاس.

تراجع عوائد النفط لا يقتصر تأثيره السلبي على مشاريع البنى التحتية والتماسك الاجتماعي، وانما المكانة السياسية ايضا للدول المصدرة للنفط التي تصدرت الحراك السياسي والعسكري في المنطقة العربية طوال السنوات العشرين الماضية، فالمال سلاح استراتيجي قوي في زمن الازمات الاقتصادية، والدول الفاشلة في منطقة ملتهبة مثل الشرق الاوسط تواجه انهيارات على جميع المستويات.