في الوقت الذي تنشغل فيه دول اقليمية عديدة وعلى رأسها ايران والمملكة العربية السعودية بتطورات “عاصفة الحزم” في اليمن، وقصف طائراتها لبنى تحتية وتجمعات للحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، فاجأت قوات “الدولة الاسلامية” الكثيرين بعدة هجمات اكدت مجددا استعادتها لزمام المبادرة، في العراق على الاقل، بعد النكسة الكبيرة التي تعرضت لها بخسارتها لمدينة تكريت، عاصمة محافظة صلاح الدين.
ويمكن تلخيص هذه “الصحوة” العسكرية المفاجئة لقوات “الدولة الاسلامية” في اربع هجمات، كل هجوم منها له دلالات ومعاني خاصة:
الاول: نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في الاستيلاء على سد ناظم الثرثار على نهر الفرات، والواقع شمال غرب بغداد (خمسون كيلومترا عن العاصفة)، والذي يشكل حاجزا اساسيا لمنع حدوث فيضانات تجتاح بغداد ومدن عراقية اخرى، الهجوم ادى الى مقتل 142 جنديا عراقيا بينهم لواء وعقيد وعدد من كبار الضباط، علاوة على اسر 52 منهم، جرى ذبحهم امام حشد كبير والاستيلاء على كميات كبيرة من الاسلحة والعتاد العسكري، بينها دبابات وعربات مدرعة.
الثاني: الهجوم الانتحاري الذي استهدف الجانب العراقي من معبر طريبيل الحدودي مع الاردن، ونفذه ثلاثة من مقاتلي “الدولة” احدهم فرنسي والثاني بلجيكي، والثالث سنغالي، وهو الهجوم الذي قالت حصيلة اولية انه ادى الى مقتل خمسة اشخاص من حرس الحدود، واصابة تسعة آخرين، واغلاق المعبر لعدة ساعات طوال يوم السبت.
الثالث: احكام السيطرة على مدينة الرمادي عاصمة اقليم الانبار، الامر الذي ادى الى نزوح آلاف العائلات منها.
الرابع: اقتحام مصفاة بيجي، التي توفر حوالي خمسين في المئة من احتياجات العراق من الطاقة، وقتل اعداد كبيرة من الجنود الذين يقومون بحمايتها، واحراق مستودعين للوقود فيها.
الاستيلاء على سد الثرثار ربما جاء تعويضا عن خسارة تكريت، والهجوم على مصفاة بيجي، يؤكد ان استعادة القوات العراقية لها واخراج قوات “الدولة” منها لا يعني انها باتت في مأمن، واحكام السيطرة على مدينة الرمادي يشكل استكمال سيطرة الدولة على معظم اقليم الانبار.
ولعل الهجوم على معبر طريبيل الحدودي مع الاردن هو التطور الاهم الذي يجب التوقف عنده لعدة اسباب، الاول انه جاء رسالة الى الحكومتين الاردنية قبل العراقية، تفيد كلماتها بأن “الدولة الاسلامية” قادرة على الوصول الى الاردن، او حدوده على الاقل، والثاني، ان هذا التحرش بالاردن جاء بعد “صمت طويل” وبالتحديد منذ “الاحراق البشع″ للطيار معاذ الكساسبة، والثالث، توجيه تحذير لقوات حرس الحدود السعودية التي لا تبعد كثيرا عن المعبر بأنها ليست بمأمن من هجوم مماثل.
هذه الهجمات، والرسائل المتعددة التي توجهها الى اطراف اقليمية متعددة، ربما تفسر الانباء المتواترة حول قرار السلطات العراقية تأجيل الهجوم لاستعادة مدينة الموصل من “الدولة الاسلامية” الى ما بعد شهر رمضان، وهو الهجوم الذي كان مخططا له الشهر المقبل (مايو).
الامر المؤكد ان حالة النشوة التي سادت صفوف الحكومة العراقية، وقوات الحشد الشعبي المساندة لها بعد استعادة مدينة تكريت، وعززت التفاؤل بانتصار كبير، ووشيك في الموصل، قد تبخرت ولو مؤقتا، ودفعت هذه الهجمات السلطات العراقية الى اعادة حساباتها مجددا، وتغيير اولوياتها من حيث اعادة التركيز على حماية العاصمة بغداد التي باتت مهددة سواء، بفيضان ناجم عن اطلاق مياه سد الثرثار، او بهجمات مباغتة لزعزعة امنها واستقرارها، وما التفجيرات الثلاثة من خلال سيارات ملغومة التي هزتها يوم امس، الا احد الانذارات المبكرة في هذا الصدد.
واللافت ان هذه “الصحوة القوية” لـ”الدولة الاسلامية” التي جاءت في وقت اعتقد الكثيرون ان “انتكاسة تكريت” قد اضعفتها، تزامنت مع تراجع شعبية حكومة السيد حيدر العبادي، وتزايد الاتهامات لها بالفشل في تمثيل معظم الوان الطيف المذهبي العراقي، واتباعها نهج حكومة السيد نوري المالكي في ممارسة سياسات الاقصاء والتهميش والانحياز مجددا الى طائفة ضد اخرى.
واذا ربطنا بين هذا الحراك المتسارع لـ”الدولة الاسلامية” في العراق مع تقدم جبهة النصرة في شمال غرب سورية، واستيلائها مع فصائل اخرى على جسر الشغور، بعد ادلب، ومعبر نويصيب الحدودي مع الاردن، فاننا نخلص الى نتيجة مفادها بأن هناك تحركا اقليميا مضادا لممارسة ضغوط على المحور الايراني السوري العراقي الذي فتح جبهة اليمن لاستنزاف المملكة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين.
ما يجعلنا نصل الى هذه النتيجة هو تغير الاولويات السعودية، واتباع مقولة “عدو عدوي صديقي”، وهذا ما يفسر عدم استهداف طائرات “عاصفة الحزم” اي من اهداف تنظيم “القاعدة” في اليمن، ومنع استيلاء قواته على مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، او تأجيل هذا الاستهداف في الوقت الحاضر على الاقل.
اشارتنا الى هذه النقطة لا يعني ان تحالفا يتبلور بين السلطات السعودية و”الدولة الاسلامية”، وما يؤكد اعتقادنا هذا ان العداء بين الجانبين، ما زال في ذروته، بدليل احباط قوات الامن السعودية لهجوم كانت تخطط له الاخيرة في قلب العاصمة الرياض.
صحيح ان هناك حالة انقسام في صفوف السلفيين تجاه “عاصفة الحزم” حيث ايدها البعض وعارضها البعض الآخر، والتزم البعض الثالث الصمت (الشيخ ابو محمد المقدسي)، ولكن هؤلاء تنطبق عليهم المقولة الشهيرة “لم أأمر بها ولم تسؤني”، في اشارة الى العاصفة التي تضرب عدوين لهما بحجر واحد، والله اعلم!