يمكن القول، ودون اي تردد، ان استقبال معظم الدول الخليجية، للاتفاق النووي الذي ابرمته ايران مع الدول الست الكبرى اتسم بالقلق، وليس الفتور فقط، مثلما اوحت بعض التحليلات الغربية، وهو قلق مبرر في جميع الاحوال.

واذا كانت بعض الدول، مثل الامارات العربية المتحدة والكويت، غلّبت الدبلوماسية والعقلية السياسية، وبادرت بالتهنئة، ووصف الاتفاق بـ “التاريخي”، وقالت انه يمكن ان يشكل صفحة جديدة في العلاقات الاقليمية، فان الموقف السعودي اتسم بالحذر، وابتعد كليا عن الترحيب، ونظر الى الاتفاق نظرة “انتقائية”، وتوقف عند فقرة واحدة فيه، اشاد فيها هي “عدم رفع العقوبات المتعلقة بالتسلح، اي ابقاء الحظر المفروض على اي اسلحة روسية متقدمة لايران لمدة خمس سنوات”.

الحذر السعودي مفهوم في ظل التوقعات التي تؤكد بأن الاتفاق النووي الايراني سيطلق سباق تسلح في المنطقة، ولكن يمكن القول في المقابل انه لا يوجد حظر تسليح مقابل مفروض على المملكة العربية السعودية، ومن المؤكد ان الرئيس الامريكي باراك اوباما في مكالمته الهاتفية مع العاهل السعودي قد تعهد بتعويض المملكة عن هذا الاتفاق ببيعها اسلحة امريكية متقدمة في اطار طمأنته لقيادتها، تماما مثلما فعل مع القيادة الاسرائيلية في اتصاله الهاتفي مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، مع تسليمنا بأن عروض التسليح الامريكية التعويضية لاسرائيل ستكون مجانية اولا، واكثر تقدما وحداثه، وستشمل طائرات حربية لا يملكها الا الجيش الامريكي مثل طائرات “اف 35″، وصواريخ باتريوت متطورة جدا، ومعونات مالية وتقنية ضخمة لتحديث “القبة الحديدية” ثانيا.

القلق سيظل العنوان الرئيسي في النظرة الخليجية الى البرامج النووية الايرانية، سواء كانت سلمية او غير سلمية، فستكون قلقة في حال التوصل الى اتفاق، وقلقة اذا لم يتم التوصل الى اتفاق، وهذا في نظرنا امر يصعب القبول به، ويعكس حالة من الرعب والارتباك وعد الثقة بالنفس.

الاتفاق النووي الامريكي الايراني يمنع ايران من تطوير اسلحة نووية لعشر سنوات قادمة على الاقل، وهذه مساحة زمنية محسوبة بعناية فائقة، ربما لافساح المجال للدول الخليجية، والمملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، للانخراط في برامج نووية تؤهلها لاقامة ردع نووي خاص بها، سواء مع ايران او اسرائيل، او الاثنين معا، اذا ارادت ذلك، على غرار الردع النووي بين روسيا وامريكا، وبين الهند وباكستان، ولا نعرف ما اذا كانت تملك خططا بعيدة المدى في هذا الصدد ام لا.

الصراخ لا يفيد، ويجب النظر الى هذا الاتفاق النووي مع ايران على انه نقطة بداية، ومبرر بالنسبة للعرب لتطوير قدراتهم العسكرية والنووية الذاتية، فالمملكة العربية السعودية بصدد التعاقد لشراء مفاعلات نووية من روسيا وفرنسا وكوريا الجنوبية، ويمكن ان تستعين بالخبرات الباكستانية في هذا المضمار، فلماذا الخوف اذا؟ طالما ان امام المملكة ودول الخليج عشر سنوات، هي عبارة عن شبكة امان من اي اخطار ايرانية؟

الحوار هو النهج الاسلم بالنسبة الى دول الخليج مع ايران، في الوقت الراهن على الاقل، لاقامة علاقات تعاون في المجالات كافة، لان التصعيد العسكري والسياسي ربما يعطي نتائج عكسية، خاصة ان ايران مدت غصن زيتون للسعودية على وجه الخصوص، واكدت على رغبتها في التعاون، فلم لا، شريطة ان يكون غصن الزيتون هذا مصحوبا برغبة حقيقية في احترام سيادة الدول العربية ومصالحها، وعدم التدخل في شؤونها.

المنطقة العربية استنزفت في حروب دموية مزقتها واهدرت ثرواتها، واغرقتها في احقاد طائفية، وحان الوقت لتغيير البوصلة نحو الحوار والتفاهم والتعاون، وبناء قدرات ذاتية عسكرية واقتصادية صلبة في الوقت نفسه، مع التأكيد على ان معظم مصائب المنطقة ناجمة عن التدخلات الامريكية التي تريد بذر بذور الشقاق، واللعب على حبال الانقسام، بما يفيد اسرائيل، ويحافظ على وجودها كدولة احتلال وارهاب، وتهديد للمنطقة وامنها واستقرارها.

يجب النظر الى الاتفاق الايراني الامريكي بموضوعية، والانطلاق منه لترتيب البيت العربي على اسس جديدة، اما النواح والعويل والرعب، فلا يفيد مطلقا، ويعطي نتائج عكسية، ويفتح ابواب المنطقة للمزيد من الابتزاز والفتن، ونهب الثروات، وحان الوقت لكي ينهض العرب من سباتهم العميق، واجراء مراجعة شاملة ومعمقة ومسؤولة لكل السياسيات التي اوصلتهم الى مآزقهم الحالية.
يجب ان يسلم العرب بأن سياساتهم القديمة في الاعتماد على امريكا والركون عليها لكي تخوض حروبهم، وتحطم اعداءهم، قد فشلت واعطت نتائج عكسية تماما، وتركتهم في اليّم لوحدهم ويجب وضع استراتيجيات بديلة وبشكل سريع.

ختاما نقول ان اسرائيل يجب ان تكون وسط رادارات العرب كعدو استراتيجي حقيقي، حتى لا يفاجأوا في يوم من الايام انها تحالفت مع غيرهم، بما في ذلك ايران، في ظل قيادة مختلفة، مثلما فوجئوا بانقلاب امريكا عليهم والذهاب الى طهران رافعة الرايات البيضاء.