احتفلت الصحف الغربية وبعض شقيقاتها العربية بالطبع، بالبيان الذي اصدره نيد برايس المتحدث باسم البيت الابيض، واعلن فيه مقتل فاضل احمد الحيالي، المعروف ايضا باسم حاجي معتز، الرجل الثاني في تنظيم “الدولة الاسلامية” الى جانب المسؤول الاعلامي في التنظيم، المكني بابي عبد الله، في غارة جوية امريكية يوم 18 من الشهر الحالي، ولكن هذا الاحتفال سابق لاوانه، ويعكس تمنيات، ومحاولة البحث عن انجاز في حرب شرسة ضد “الدولة” لن تعط الا القليل من الثمار المرة.

هذه ليست المرة الاولى التي يعلن فيها الامريكان مقتل الحيالي، فقبل عام تقريبا، اصدروا بيانا قالوا فيه انهم قتلوه في مدينة الرقة، مثله مثل زميله ابو سياف في غارة جوية، مما يعني ان الرجل نفسه قتل مرتين، ويعلم الله متى ستكون المرة الثالثة او الرابعة.

***
ان تنجح الغارات الجوية التي تشنها طائرات التحالف الستيني بقيادة الولايات المتحدة في اغتيال قادة في “الدولة الاسلامية”، ليس بالامر المستغرب، اذا عرفنا ان هذا التحالف شن اكثر من خسمة آلاف غارة حتى الآن ضد مواقعها وتجمعاتها، لكن السؤال هو مدى تأثير هذه الاغتيالات على هذه “الدولة” وتركيبتها القيادية، ومسألة وجودها وتمددها.

اذا تتبعنا الادبيات والبيانات الامريكية، والعراقية الرسمية ايضا، حول سير العمليات العسكرية ضد هذا التنظيم نجد انها تحدثت عن مقتل او اغتيال حوالي خمسة من قادته وصفتهم بصفة “الرجل الثاني”، مثل ابو علاء العفري، وابو سياف، وحاجي معتز (ابو مسلم التركماني)، والقائمة تطول، بل انها اكدت في احدى المرات عن مقتل ابو بكر البغدادي نفسه، في غارة امريكية استهدفت احدى البيوت التي يقيم فيها في مدينة الرقة، لتعود بعد ذلك وتنفي خبرها بالقول انه، اي البغدادي، اغتصب عاملة اغاثة امريكية قبل ان يقتلها وتنسب ذلك الى زوجة ابو سياف التي تم اعتقالها بعد مقتل زوجها.

التركيبة القيادية لـ”الدولة الاسلامية” ما زالت مجهولة، وكل ما يقال عنها مجرد تكهنات، واعادة تدوير لبعض القصاصات الصحافية، لكن ما هو ثابت ومؤكد، انها قيادة “غير مركزية” تضم نواة صلبة من كبار الضباط في الحرس الجمهوري، والجيش العراقي، تحولوا الى الاسلام المتشدد، وانخرطوا في المقاومة العراقية ضد الاحتلال الامريكي، وربما يكون السيد ابو بكر البغدادي هو الوحيد الذي كان مدنيا، وانخرط في صفوف المقاومة.

“الدولة الاسلامية” ما زالت قوية، بل تزداد قوة، بينما يدب الضعف في صفوف خصومها، فها هو السيد حيدر العبادي، الذي اعلن الحرب عليها، يواجه صعوبات جمة، واعمال تظاهر شعبية ضد الفساد، وها هو السيد رجب طيب اردوغان الذي دخل جبهة الحرب ضدها يفشل في تشكيل حكومة ائتلافية، ويدعو الى انتخابات برلمانية اول تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، قد تتمخض عن نتائج اكثر سوءا بالنسبة اليه من سابقتها.

اما المملكة العربية السعودية فتخوض حرب استنزاف دموية في اليمن تأتي بنتائج عكسية حتى الآن، وسقوط معظم مدن الجنوب “المحررة” في ايدي تنظيم “القاعدة”، بما في ذلك مدينة عدن، والامثلة كثيرة ومعروفة.
مصادر الاستخبارات الامريكية قالت في بيانات منشورة انها قتلت حوالي عشرة آلاف من مقاتلي “الدولة الاسلامية”، وربما يكون هذا الرقم صحيحا، ولكن من الواضح انه ليس له اي تأثير على قوة هذه الدولة وبنيانها، بل ما حدث هو العكس تماما، فما زالت تحتفظ بجميع المدن التي سيطرت عليها ابتداء من الرقة، ومرورا بالرمادي، وانتهاء بالموصل.

***

القاعدة الذهبية التي تحدث عنها هنري كيسنجر ورددها آخرون تقول “ان الثوار لا يحتاجون من ينتصروا حتى ينجحوا، وكل ما يحتاجونه ان يصمدوا، وان لا يخسروا، حتى يتعب الاعداء من القتال ويصابون باليأس، ويلجأون الى التفاوض بحثا عن صيغة تسوية لانقاذ ماء الوجه تمهد لانسحابهم”.

“الدولة الاسلامية” تضع هذه القاعدة في صلب ايديولوجيتها الراهنة، ولهذا ليس مهما لمخططيها الاستراتيجيين خسارة هنا، واخرى هناك، وانما الصمود على الارض والحفاظ بقدر الامكان على الوجود استعدادا لجولات قتالية قادمة.
قادة هذه “الدولة” ليسوا اغبياء، ومن الواضح انهم تعلموا من دروس تنظيم “القاعدة” في العراق وافغانستان الذي ورثوه، وتحولوا الى “اللامركزية” و”القيادة الجماعية”، وابتعدوا كليا عن الاضواء، وهذا احد اسرار نجاحهم حتى الآن، واغتيال “الحيالي” او حتى البغدادي نفسه، لن يؤثر على البناء القيادي لها، وهنا يكمن موطن قوتها، وضعف خصومها، ولهذا لم يجانب وزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر الخطأ عندما قال ان الحرب على هذه الدولة قد تستغرق ثلاثين عاما.