يتعايش معتنقي المذهبين الاباضي والمالكي في الجزائر منذ مئات السنين في وئام، وتجاوز البربر والعرب كل مؤامرات الفتنة التي حاول المستعمر الفرنسي ان يزرعها من منطلق سياسة “فرق تسد”، وقاتل الجانبات بشراسة، وفي الخندق الواحد هذا المستعمر، وكان من الصعب، بل من المستحيل، ان تفرق بينهما، بل من العار ان تعرف من هو عربي ومن هو امازيغي.

نكتب بعاطفية.. نعم.. لان ما يجري حاليا من صدامات دموية بين المالكيين والاباضيين في مدينة غرداية في الجنوب الجزائري ادمى قلوبنا، نحن الذين نحب الجزائر، وتجربتها النضالية المشرفة، وشعبها المتميز في تعايشه، وانصهاره في دولته ومجتمعه رغم الصعاب الكثيرة.

الاخبار القادمة من الجزائر تقول بأن الصدامات التي تجددت في مدينة غرداية ادت الى مقتل اكثر من 25 شخصا، واصابة العشرات، وتم احراق او تخريب محلات تجارية وسيارات واشجار نخيل وممتلكات ومبان عامة وخاصة.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة دعا الى اجتماع طاريء، شارك فيه رئيس الوزراء، ونائب وزير الدفاع الوطني قائد اركان الجيش الوطني الشعبي احمد قايد صالح، واثر الاجتماع، كلف الرئيس بوتفليقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة التي تتبعها ولاية غرداية “بالاشراف على مصالح الامن والسلطات المحلية المعنية من اجل استتباب الامن والنظام العام”.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن عدم تنبه السلطات الجزائرية مبكرا لحال الاحتقان والتوتر الطائفي طوال الاعوام القليلة الماضية، وتبادر بخطوات استباقية لحفظ الامن والاستقرار ومنع هذه الصدامات، ولماذا انتصرت، مثل المرات السابقة حتى تسيل الدماء وتسود الصدامات، وتتوسع دائرة الفوضى.

لا بد ان هناك جهات تصب الزيت على نار الفتنة الطائفية، كمقدمة لفتنة عرقية اكبر بين مكونات المجتمع الجزائري من اجل حرق البلاد، وتكرار السيناريو الليبي فيها، او اعادة سيناريو الحرب الاهلية بصورة او باخرى التي اودت بحياة اكثر من 300 الف انسان.
الجزائر مستهدفة، ومن القوى نفسها التي استهدفت ليبيا وسورية والعراق واليمن بطريقة او باخرى، تحت ستار الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية، والهدف الاساسي هو تفتيت وتمزيق وحدتها الديموغرافية والترابية، وتحويلها الى دولة فاشلة تعوم فوق بحر من الدماء، وهذا لا يعني تأييد او مساندة الديكتاتورية والفساد وانتهاك حقوق الانسان، لكن هناك اولويات، مثلما ان هناك تجارب اخرى، في اكثر من بلد عربي، اماطت اللثام، وكشفت الوجه البشع لمخططات الفتنة ومن يقفون خلفها.

وعندما نقول ان الجزائر مستهدفة، فاننا نعي ما نقول، ونملك المعلومات التي تؤكد ذلك، فالسيناريو الدموي المصحوب بالتدخلات العسكرية الخارجية، الذي رأيناه يتبلور في ليبيا، وبصورة اخرى في سورية، كان من المقرر له ان ينتقل الى الجزائر بكل تفاصيله، ولكن فشله في سورية حتى الآن، رغم الدمار والقتل والتخريب والتمزق، هو الذي اجل وصوله الى الجزائر، ونقول “اجل” لاننا ندرك، ان القوى التي تقف خلف هذا المخطط، وبعضها عربية للأسف، اعتقدت ان النظام في سورية سينهار في غضون ايام او اسابيع على الاكثر، قبل ان تنقل ادواتها الى الجزائر.

الشعب الجزائري لعب دورا كبيرا لاحباط هذا المخطط سواء بسبب وعيه، ورفضه الاستجابة لادوات التحريض وباذري بذور الفتن، او لانه تعلم من تجربة حرب التسعينات، واستوعب دروسها الدموية، وبات على قناعة راسخة بمقاومة اي تكرار لهذا الكابوس.
نحن في هذه الصحيفة “راي اليوم” نقف مع الجزائر وشعبها في تصديه لهذه الفتنة، بشقيها الطائفي والعرقي، لان الجزائر، ورغم تسليمنا بكل الاخطاء وفي طريقة حكمها وادارتها، تستحق الامن والاستقرار، وكل ما يعزز التعايش والتأليف بين كل الوان طيفها المذهبي والعرقي والمناطقي لوأد هذه الفتنة في مهدها.