افاق ابناء قطاع غزة فجر الاحد على خمسة انفجارات استهدفت سيارات تخص كوادر قيادية ميدانية للجناحين العسكريين لحركتي حماس “كتائب القسام” والجهاد الاسلامي (سراي القدس)، جاءت جميعها في توقيت واحد في منطقة الشيخ رضوان المطلة على البحر، وتعتبر من المناطق التي تتمركز فيها الطبقة الوسطى كأغلبية.

التوقيت دائما ينطوي على اهمية خاصة في اي محاولة لاستقراء المستقبل، والتعرف على الجهات، او الجهة التي تقف خلف التفجيرات، والمستفيد، ومن ثم المتضرر الاكبر من ورائها، والرسائل التي تريد ايصالها.

كان لافتا، ومنذ الوهلة الاولى، ان هذه التفجيرات جاءت في الصباح الباكر، واستهدفت سيارات خالية من راكبيها وسائقيها، وكأن من يقف خلفها اراد ايصال رسالة “اولية” فقط، ولم يرد سفك دماء بشرية.

وعندما نقول ان التوقيت جاء مهما، فانه يمكن رصد ثلاثة تطورات رئيسية في هذا المضمار، لا يمكن تجاهلها في اي محاولة لتحليل واستقراء عناصر هذه الجريمة:

الاولى: حملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها قوات حركة “حماس″ الامنية في القطاع، واستهدفت اعداد كبيرة من السلفيين، والمتعاطفين مع “الدولة الاسلامية”، وجماعات اخرى اسلامية متشددة.

الثاني: جاءت هذه التفجيرات بعد يومين من الزيارة التي قام بها وفد رفيع المستوى من حركة “حماس″ الى الممكلة العربية السعودية بقيادة السيد خالد مشعل عضو المكتب السياسي للحركة، وهي الزيارة التي فسرت على انها جاءت للانضمام الى “الحلف السني” الجديد الذي تعكف القيادة السعودية على تأسيسه في مواجهة ايران ومحورها.

الثالث: التوصل الى الاتفاق النووي الايراني الامريكي الذي من الممكن ان يغير كل المعادلات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الاوسط برمتها.

وربما يكون من السابق لاوانه توجيه اصابع الاتهام الى جهة محددة بالوقوف خلف هذه التفجيرات لان التحقيقات ما زالت في بدايتها، خاصة ان المتحدث باسم وزارة داخلية حركة “حماس″ في القطاع لم يتهم احدا في بيانه الصحافي الذي اصدره بعد التفجيرات واتهم فيه “عناصر اجرامية” خارجة عن القانون، ولكن يمكن التكهن بان هناك واحدة من ثلاث جهات يمكن ان تكون خلفاها، نوجزها كالتالي:

اولا: الجماعات “الجهادبة” السفلية، والمتعاطفة مع “الدولة الاسلامية” التي تواجه حملة اعتقالات شرسة لكوادرها في قطاع غزة هذه الايام، وتبدي معارضة قوية لنهج حركة “حماس″ السلمي الجديد الذي يقوم على التهدئة والانخراط في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل للتوصل الى هدنة تستمر عشر سنوات، يتم خلالها انهاء الحصار، وفتح ميناء بحري، واعادة اعمار ما دمره العدوان الاسرائيلي الصيف الماضي على قطاع غزة.

ثانيا: جماعات اسلامية مقربة من ايران تشعر بالاستياء من تقارب حركة “حماس″ مع المملكة العربية السعودية وقطع شعرة معاوية مع “محور الممانعة”، والاصطفاف طائفيا في “المعسكر السني” بزعامة السعودية، وربما يلقي استهداف سيارتين تابعتين لحركة “الجهاد الاسلامي” من قبل المفجرين بعض الضوء على هذا الاحتمال، اذا وضعنا في اعتبارنا العلاقة المتأزمة حاليا بين الحركة (الجهاد) وايران، وتنبني طهران تنظيما منشقا عن حركة الجهاد في القطاع تحت اسم “الصابرون”.

ثالثا: ان تكون اسرائيل وعملاءها من يقف خلف هذه التفجيرات، كما جرت العادة في معظم التفجيرات المماثلة، ولكن المراقبين في قطاع غزة اتصلت بهم “راي اليوم” قللوا من هذا الاحتمال في ظل المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل و”حماس″ عبر وسطاء اوروبيين للتوصل الى الهدنة، ونجاح الحركة، اي حماس، في منع اطلاق صواريخ من القطاع باتجاه المستوطنات الاسرائيلية، والتعاطي بشراسة مع الجماعات المتشددة.

السيد اياد البزع المتحدث باسم وزارة داخلية حركة “حماس″ لم يتهم اسرائيل مطلقا بالوقوف خلف هذه التفجيرات، بل اتهم “عناصر اجرامية” تعمل على “زعزعة الامن وتبني افكارا تكفيرية” في اشارة الى “الدولة الاسلامية”، ولكن مع الامتناع في الوقت نفسه عن تسميتها.

ان ابرز انجاز حققته حركة “حماس″ في قطاع غزة، غير استمرار نهج المقاومة، والتصدي للعدوان الاسرائيلي بشحاعة، هو بسط الامن الداخلي والقضاء على فوضى السلاح، واجتثاث الميليشيات والعصابات الاجرامية، ويعترف بالانجاز الاخير الذي لا خلاف علية مطلقا من قبل خصوم حركة “حماس″ قبل انصارها، ولذلك فان هذه التفجيرات تشكل اختراقا كبيرا لهذا الانجاز.

هل نستطيع ان نقول ان “الدولة الاسلامية” نصبت خيمتها في قطاع غزة؟ وبدأت تحاول مليء الفراغ الناجم عن جنوح حركتي “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” الى التهدئة.

لا نستبعد ذلك.. وهذه مسألة اخرى.